ما هو كائن وما يمكن أن يكون

✍️نجد الثبيتـي_كاتبة سعودية :
تتداخل في علاقتنا بالحياة أربعة مفاهيم أساسية: الحقيقة، والخيال، والتأمل، والتصور. فالحقيقة تمنحنا ما هو موجود، والخيال يفتح أمامنا ما يمكن أن يكون، والتأمل يساعدنا على فهم ما نراه، أما التصور فيمنحنا القدرة على تحويل الإمكان إلى اتجاه نحو المستقبل.
أولًا: الحقيقة وما هو موجود
الحقيقة موجودة خارجنا، في أحداثها ووقائعها وما جرى بالفعل، لكن الإنسان لا يستقبلها كما تستقبلها الأشياء الجامدة؛ فهو يمررها عبر ذاكرته ومشاعره وتجربته، ثم يعيد تشكيل معناها في داخله. ولهذا قد يكون للمشهد الواحد أكثر من معنى، وللحكاية الواحدة أكثر من قراءة، وللحدث نفسه أثر مختلف من إنسان إلى آخر.
الحقيقة تقول: هذا ما حدث.
أما التأمل فيسأل: ماذا يعني ما حدث؟
الحقيقة لا تتغير، لكن المعنى الذي نمنحه لها قد يتغير. فقد يقف شخصان أمام المشهد نفسه، فيرى أحدهما نهاية، ويرى الآخر بداية. وقد يرى أحدهما الغروب رحيلًا، بينما يراه الآخر وعدًا بعودة الضوء. وقد يرى إنسان في تأخر حلمه دليلًا على ضياعه، بينما يراه آخر فرصة حتى ينضج الحلم قبل أن يصل.
ليست المسألة دائمًا في الشيء نفسه، بل في التصور الذي نحمله عنه.
ثانيًا: الخيال بوصفه طريقة أخرى لرؤية الواقع
بين الحقيقة وما نفهمه منها تنشأ مساحة واسعة يظهر فيها الخيال، لا بوصفه هروبًا من الواقع، بل بوصفه طريقة أخرى لرؤيته. فالخيال يمنح الأشياء حياة إضافية، ويكشف في المألوف ما لا تنتبه إليه العين من المرة الأولى. يجعلنا نرى في البذرة شجرة، وفي الورقة حكاية، وفي النافذة طريقًا، وفي الليل مساحة واسعة تولد فيها الأفكار.
قد تكون الشجرة التي نقف بجانبها مجرد شجرة، لكن الفنان قد يراها امرأة عجوزًا تحفظ أسرار الفصول. وقد يكون البحر ماءً ممتدًا، لكنه في عين الشاعر ذاكرة زرقاء تحمل ما عجز القلب عن قوله. وقد يكون القمر ضوءًا بعيدًا في السماء، لكنه بالنسبة إلى إنسان وحيد رفيقًا صامتًا يشعر بوحدته ولا يسأله عنها.
الفنان يرسم ما لا تستطيع العين وحدها أن تراه، والكاتب يكتب ما تعجز اللحظة عن قوله، والإنسان في داخله يبني عالمًا من كل ما مر به؛ عالمًا لا يحتفظ بشكل التجربة فقط، بل يحتفظ بظلها وأثرها ورائحتها العاطفية.
غير أن الخيال، مهما كان جميلًا، يحتاج إلى وعي يحميه من التحول إلى وهم. فليس كل ما نتخيله حقيقة، وليس كل ما نشعر به تفسيرًا صحيحًا لما يحدث حولنا. أحيانًا نصنع في أذهاننا حكايات كاملة من موقف عابر، ونمنح الصمت معنى لم يقصده أحد، ونضع نهاية لقصة لم تبدأ بعد.
نخاف من أبواب لم نطرقها، ونحزن على طرق لم نسلكها، ونحكم على الغد من خلال صورة رسمناها له بالأمس.
ثالثًا: التأمل وفهم المعنى
هنا يبرز السؤال:
هل نحن نرى الحياة كما هي، أم نرى تصورنا عنها؟
ربما نراها بالأمرين معًا.
فنحن لا نستطيع أن نفصل ذاكرتنا عن نظرتنا، ولا أن نخلع تجاربنا ونحن نحاول فهم الأشياء. لكل إنسان عدسة داخلية يرى العالم من خلالها، صنعتها الأيام، والخذلان، والفرح، والانتظار، والنجاح، والخوف، وكل التفاصيل التي مرت به وتركت أثرًا في روحه.
والتأمل هو المساحة التي نتوقف فيها عن النظر السريع، ونحاول أن نرى ما وراء الظاهر. ففي تلك المساحة لا تعود الأشياء مجرد صور عابرة، بل تتحول إلى إشارات تحمل دلالات خفية، وتفتح أبوابًا للتفكير والشعور.
لا يكتفي التأمل بالسؤال عن سبب ما يحدث، بل يتجاوز ذلك إلى البحث عن أثره فينا، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه. إنه يعيدنا إلى ذواتنا، ويساعدنا على التمييز بين الحقيقة كما وقعت، والتفسير الذي نمنحه لها.
رابعًا: التصور وبداية التغيير
التصور ليس صورة عابرة في الذهن، بل قوة خفية تؤثر في علاقتنا بالحياة. حين تتصور نفسك عاجزًا، قد تتردد قبل أن تبدأ. وحين تتصور أنك قادر على المحاولة، قد تجد في داخلك خطوة لم تكن تراها من قبل. وحين ترى المستقبل جدارًا مغلقًا، قد تتوقف أمامه، لكنك حين تراه بابًا يحتاج إلى مفتاح، ستبدأ في البحث عن المفتاح.
لهذا، ربما يكون التصور أول مكان يبدأ فيه التغيير.
فقبل أن يصبح الشيء واقعًا، يكون فكرة أو احتمالًا في العقل. وقبل أن يولد المشروع، تكون له صورة في الخيال. وقبل أن يصل الإنسان إلى مكان جديد، يكون قد زاره مرات كثيرة في داخله.
لكن أجمل التصورات ليست تلك التي تجعلنا نهرب من الواقع، بل تلك التي تجعلنا نعود إليه بقدرة أكبر على فهمه وصناعته. أن تتصور الحياة لا يعني أن تراها كاملة بلا نقص، بل أن تراها قابلة لأن تصبح أجمل.
أن ترى في الجدار احتمال نافذة، وفي الطريق الطويل احتمال وصول، وفي السقوط درسًا لا نهاية، وفي الفراغ مساحة يمكن أن يمتلئ فيها شيء جديد، وفي نفسك، رغم كل ما مررت به، احتمالًا لم يكتمل بعد.
فالتصور في أجمل معانيه ليس أن نتخيل حياة أخرى، بل أن نرى في حياتنا الحالية احتمالًا آخر. أن ننظر إلى الأشياء ونقول:
ربما ليس هذا كل شيء.
ربما خلف هذا المشهد مشهد آخر لم يظهر بعد. وربما خلف هذا الطريق طريق آخر، وخلف هذه الفكرة بداية، وخلف هذا الإنسان الذي يظن أنه انتهى حكاية لم يُكتب فصلها الأخير.
العلاقة بين الحقيقة والخيال والتأمل والتصور
تلتقي هذه المفاهيم في تشكيل رؤيتنا للحياة. فالحقيقة تكشف لنا ما هو موجود، والخيال يفتح أمامنا أبواب ما يمكن أن يكون، والتأمل يساعدنا على فهم المسافة بينهما، أما التصور فيمنحنا اتجاهًا نحو ما نريد أن نصنعه.
ومن هذا التلاقي تولد رؤية أكثر اتساعًا للحياة؛ رؤية لا تنكر الواقع، ولا تستسلم لحدوده، بل تنظر إليه بوصفه نقطة بداية.
ويمكن تلخيص العلاقة بينها في النقاط الآتية:
● الحقيقة تمنحنا ما هو موجود.
● الخيال يفتح لنا ما يمكن أن نراه.
● التأمل يمنحنا القدرة على فهم ما نراه.
● التصور ينقلنا من رؤية الإمكان إلى التفكير في كيفية تحقيقه.
وتظهر هذه العلاقة في جوانب متعددة:
● الجانب الفكري: أن نميز بين الحقيقة كما وقعت، والتفسير الذي نمنحه لها، وأن ندرك أن أفكارنا قد توسع رؤيتنا أو تحاصرها.
● الجانب الأدبي: أن نمنح الأشياء لغة تتجاوز ظاهرها، فنرى في الشجرة ذاكرة، وفي البحر اعترافًا، وفي الصمت حوارًا لا يُسمع.
● الجانب الفني: أن نحول التجربة إلى صورة أو لون أو إيقاع أو مشهد، بحيث يصبح الشعور قابلًا للرؤية، ويصبح المعنى قابلًا للمشاركة.
● الجانب التأملي: أن نتوقف أمام ما يحدث، لا لنسأل عن سببه فقط، بل عن أثره فينا، وما الذي يمكن أن نتعلمه منه.
● جانب الخيال والتصور: أن نرى ما وراء الواقع من احتمالات، من غير أن نفقد صلتنا به، وأن نحول الفكرة من صورة داخلية إلى إمكانية قابلة للتحقق.
قد لا نستطيع أن نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار الطريقة التي نقرأ بها ما حدث. فالحقيقة تمنحنا الأرض، والخيال يمنحنا الأفق، والتأمل يمنحنا البصيرة، أما التصور فيمنحنا الخطوة الأولى نحو المستقبل.
وبين ما هو كائن وما يمكن أن يكون، يكتشف الإنسان أنه لا يعيش الواقع فقط، بل يستطيع أن يمنحه معنى، وأن يعيد صياغته بعين الخيال، ثم يسعى إلى تحويل ما يتصوره في داخله إلى حقيقة جديدة.
وربما تكون أجمل رحلات الإنسان تلك التي تبدأ من حقيقة يراها، ثم يتأمل معناها، ويتخيل إمكانها، قبل أن يحاول أن يجعل منها حقيقة جديدة.
للتواصل : [email protected]



