ليتهم يعلمون… أن بعض الفقد لا يمر

✍️صفية ملا – كاتبة سعودية :
يقولون إن ألم الفقد يقلّ مع الوقت، وإن الأيام كفيلة بأن تُهدّئ ذلك الوجع الذي يسكن القلب بعد رحيل من نحب، وإن الإنسان يعتاد الغياب كما يعتاد أشياء كثيرة لم يخترها في حياته.
ويقولون: ستمر الأيام، وستنسى، وستعود كما كنت.
وأصمت…….
ليتهم يعلمون أنني ما زلت أرزح تحت هذا الألم، وأن بعض الغياب لا يصبح أخفّ لمجرد أن السنوات مرّت، وأن القلب لا يقيس أحزانه بالتقويم، ولا يعرف أن عليه، بعد عدد معين من الأيام، أن يتوقف عن الاشتياق.
ليتهم يعلمون أن بعض الفقد لا يمرّ… بل نتعلم نحن كيف نمضي وهو معنا.
حين لا يفهم الآخرون حزننا
ربما لا يقصد الناس القسوة حين يقولون لمن فقد عزيزًا: «يجب أن تتجاوز»، أو «لقد مضى وقت طويل». لعلهم يريدون أن يطمئنوه، أن يفتحوا أمامه نافذة نحو الحياة، لكنهم لا يدركون أن مثل هذه الكلمات قد تضيف إلى ألم الفقد ألمًا آخر: شعور الإنسان بأنه أصبح مطالبًا بأن يبرر حزنه.
كأن للحزن مدة صلاحية.
وكأن الوفاء للراحل ينبغي أن ينتهي في موعد يعرفه الآخرون ولا يعرفه القلب.
ليس أكثر ما يؤلم الإنسان دائمًا غياب من يحب، بل أن يشعر أحيانًا أن العالم من حوله قد واصل سيره، بينما بقي شيء في داخله واقفًا عند اللحظة نفسها.
الناس عادوا إلى أعمالهم، وضحكاتهم، ومواعيدهم، وتفاصيل أيامهم الصغيرة… أما هو، فقد ترك جزءًا من قلبه في مكان لا يستطيع أحد أن يراه.
الفقد لا يسكن الذاكرة وحدها
نحن لا نفتقد الراحلين في المناسبات الكبيرة فقط.
نفتقدهم في التفاصيل التي لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا مؤلمة إلى هذا الحد.
في مقعد اعتادوا الجلوس عليه.
في صوت يشبه أصواتهم.
في رائحة عابرة تعيد إلى القلب بيتًا قديمًا.
في خبر جميل نهمّ بأن نخبرهم به، ثم نتذكر فجأة أنهم لم يعودوا هنا.
وفي لحظة ضعف نبحث فيها، دون وعي، عن ذلك الشخص الذي كان وجوده وحده يجعل الحياة أقل قسوة.
أحيانًا لا يكون الحنين رغبة في استعادة الماضي كله، بل رغبة مستحيلة في لحظة واحدة فقط؛ جلسة لم نعرف أنها الأخيرة، حديث عادي تمنينا لو أطلناه، يد أفلتناها ونحن نظن أن أمامنا متسعًا من الوقت لنمسك بها مرة أخرى.
وهنا تكمن قسوة الفقد: أننا لا نفقد الأشخاص وحدهم، بل نفقد معهم نسخة من أنفسنا كانت لا تظهر إلا بقربهم.
الزمن لا يمحو… لكنه يعلّم القلب
لست أؤمن أن الزمن يمحو كل شيء.
ثمة أشياء لا يمحوها الزمن، ولا ينبغي له أن يمحوها.
لكنه ربما يفعل شيئًا آخر أكثر رحمة؛ يعلّمنا كيف نحمل ما لا نستطيع وضعه جانبًا.
في الأيام الأولى يكون الحزن كأنه يحتل القلب كله، فلا يكاد يترك مساحة لشيء آخر. ثم تمر الأيام، ولا يختفي الوجع بالضرورة، لكن الحياة تبدأ ببطء في صنع مساحات حوله.
نضحك من جديد، لا لأننا نسينا.
نفرح، لا لأن الراحل أصبح أقل قيمة.
نمضي، لا لأن الحكاية انتهت.
بل لأن الله خلق في الروح قدرة عجيبة على أن تحمل الحزن والحياة في قلب واحد.
ولعل الشفاء من الفقد ليس أن نتوقف عن الاشتياق، بل أن يتحول الاشتياق من جرح ينزف كل يوم إلى محبة هادئة تسكن أعماقنا.
حين يأتي الإيمان ليجلس إلى جوار الحزن
في الفقد، لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى من يشرح له الحكمة بسرعة.
هناك أوجاع تحتاج أولًا إلى أن تُحتوى.
أن نبكيها.
أن نعترف بها.
أن نقول لله إننا موجوعون، دون أن نظن أن وجعنا يناقض إيماننا.
فالقرآن لم ينكر الحزن الإنساني، ولم يجعل الدموع علامة ضعف في اليقين. وحين فقد يعقوب عليه السلام يوسف، قال الله عنه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84].
كان نبيًا، وكان يعرف الله، وكان يرجوه، ومع ذلك حزن.
وهذه وحدها طمأنينة لكل قلب أثقله الفقد: أن الإيمان لا يطلب منك ألا تحزن، بل يمنحك مكانًا آمنًا تحمل إليه حزنك.
ولهذا قال يعقوب عليه السلام بعدها: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
يا لجمال هذا المعنى. لم يقل: ليس بي حزن. ولم يتظاهر بالقوة. بل سمّى حزنه، واعترف به، ثم عرف إلى أين يحمله.
وربما تكون هذه إحدى أعظم صور الصبر: ألا تنكر جرحك، وألا تجعل منه اعتراضًا، بل تضعه بين يدي الله وتقول: يا رب، أنت تعلم ما لا أستطيع شرحه لأحد.
نحن لا نخون الراحلين حين نعود إلى الحياة
ومن أصعب المشاعر التي قد ترافق الفقد أن يشعر الإنسان بالذنب عندما يضحك من جديد.
كيف أفرح وهي ليست هنا؟
كيف أعيش يومًا جميلًا وقد غابت من كنت أتمنى أن تشاركني إياه؟
لكن العودة إلى الحياة ليست خيانة للراحلين.
والابتسام بعد الحزن لا يعني أن المحبة نقصت.
إن الذين أحببناهم بصدق لا يقاس حضورهم بعدد دموعنا عليهم، وإنما بما تركوه فينا؛ بكلمة ما زالت تهدينا، بخلق تعلمناه منهم، بدعاء نصعد به إليهم، بصدقة نفعلها ونرجو أن يصلهم أجرها، وبأثر جميل أصبح جزءًا من شخصياتنا.
فالإنسان قد يغيب عن أعيننا، لكنه يظل حاضرًا في الأشياء التي غرسها في أرواحنا.
ربما لا نتجاوز الفقد… بل نعبر به
ربما أخطأنا حين جعلنا «التجاوز» غاية لكل حزن.
بعض الأشياء لا نحتاج إلى تجاوزها، بل إلى التصالح مع وجودها في قصتنا.
أن نقول: نعم، حدث هذا.
نعم، غاب من أحب.
نعم، هناك مكان في قلبي سيظل يحمل اسمها.
ومع ذلك سأعيش.
سأحزن حين يزورني الحنين، وسأبتسم حين تأتيني ذكرى جميلة، وسأدعو لها حين يشتد الشوق، وسأسمح لنفسي بأن أفرح دون شعور بالذنب.
وسأعرف أن قلبي الذي عرف هذا القدر من الألم، إنما تألم لأنه عرف قبل ذلك قدرًا عظيمًا من الحب.
ولعل هذه إحدى الحقائق التي لا يخبرنا بها أحد عن الفقد: أن الحزن في جوهره هو الوجه الآخر للمحبة؛ وكلما كان المكان الذي احتله الإنسان في القلب عميقًا، كان الفراغ الذي يتركه بعده أعمق.
فليتهم يعلمون
ليتهم يعلمون أنني حين أقول: «ما زلت أفتقدها»، لا أطلب منهم أن يعيدوها إليّ؛ فأنا أعرف أن بعض الأمنيات لا تعيدها الحياة.
ولا أطلب منهم أن يفسروا لي حكمة الله؛ فأنا أؤمن أن لله في أقداره حكمة قد لا تدركها عيوننا وهي دامعة.
كل ما أريده أحيانًا أن يفهموا أن القلب له توقيته الخاص.
وأن بعض الأحزان لا تحتاج نصيحة، بل يدًا حانية، وصمتًا رحيمًا، ومساحة آمنة نقول فيها: «ما زلت أتألم» دون أن يجيبنا أحد: «أما آن لك أن تنسى؟»
لا، لم أنسَ.
وربما لن أنسى.
لكنني أتعلم كل يوم معنى آخر للصبر؛ ليس الصبر الذي يمحو الحنين، وإنما الصبر الذي يحمل الحنين إلى الله.
أتعلم أن أدعو بدل أن أنهار، وأن أستودع الله من لا تستطيع يداي الوصول إليها، وأن أترك للدمعة حقها حين تأتي، ثم أنهض لأكمل الطريق.
لأن الحياة بعد الفقد لا تعني أن نترك أحبتنا خلفنا.
بل أن نحمل أثرهم معنا، ونمضي… حتى يجمع الله ما فرّقته الدنيا.
للتواصل : [email protected]



