كتاب الرأي

الفاو والمخا: جغرافيا الانتحار العسكري وحتمية انكسار الأوهام التوسعية

        ✍️حسن المقصودي-كاتب رأي :

تشتعل جبهات القتال وتتبدل الوجوه والأسماء، لكن الجغرافيا السياسية تظل صامتة لا تغفر الأخطاء الاستراتيجية، بل تملي بقسوة ذات الدروس الحتمية على كل من يحاول الانتحار عند أسوارها المائية. والتاريخ العسكري يعلمنا أن المشاريع التوسعية القائمة على فكرة تصدير الفوضى، تنتهي دائماً بالغرق عندما تصطدم بعقدة المنافذ البحرية والمضايق، حيث تتحول أحلام الهيمنة إلى انكسارات مدوية تنعكس شظاياها في عمق العواصم التي أدارت الصراع. وإذا كانت شبه جزيرة الفاو العراقية قد مثلت في ثمانينيات القرن الماضي العنوان الأبرز لمقبرة الأحلام الإيرانية المباشرة، فإن الساحل الغربي لليمن ومحيط المخا يمثلان اليوم المسرح الراهن لسيناريو الانكسار ذاته، حيث تتحطم أوهام الأذرع البديلة، وتتلاشى طموحات الإمبراطورية المزعومة على صخور العروبة الصلبة.

أولاً: الثابت العقدي والتطور التكتيكي للموجات البشرية
يلتقي المشهدان عسكرياً في الاعتماد على الكثافة البشرية الانتحارية غير المكترثة بالخسائر لإحداث خروقات ميدانية، إلا أن تكتيك الذراع الإيرانية في اليمن شهد تحولاً أملته طبيعة القوة الهجينة:

في جبهة الفاو (عام ألف وتسعمئة وستة وثمانين): اعتمدت عملية (الفجر ثمانية) الإيرانية على اندفاع لوجستي كلاسيكي ضخم، حيث زج الحرس الثوري بما يقارب مئة وخمسين ألف جندي ومتطوع من قوات التعبئة. وتم دفعهم في هجمات موجية متتالية عبر أراض طينية سبخية ومكشوفة، مما جعلهم هدفاً سانحاً لنيران المدفعية المنسقة وسلاح الجو العراقي، حتى تم سحق هذا التحشيد وتحرير الأرض عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين بتنظيم قتالي عراقي قاده نحو مئة ألف جندي من الحرس الجمهوري والجيش.

في الساحل الغربي والمخا: يستنسخ الحوثيون العقيدة ذاتها عبر دفع آلاف المجندين واليافعين في موجات انتحارية متتالية نحو الشريط الساحلي. غير أن المليشيا تعوض افتقارها للغطاء الجوي التقليدي بدمج الموجات البشرية بحرب العصابات غير المتناظرة، مستخدمة كثافة استثنائية من الألغام البرية والبحرية، ومستعينة بالطائرات المسيرة ذاتية الحركة والصواريخ الموجهة بدعم مباشر من خبراء طهران، لإحداث حالة من الإنهاك الدفاعي للقوات المشتركة.

ثانياً: المعضلة الجغرافية وبُعد حرب الممرات
تختلف التضاريس الحاكمة للمواجهتين بشكل جذري، وهو ما يمنح معركة اليمن تعقيداً جغرافياً مغايراً:

كانت معركة الفاو محصورة في منطقة جغرافية ضيقة ومحاصرة بطبيعتها الطينية، وهدفت طهران من ورائها إلى عزل البصرة وخنق الرئة البحرية الوحيدة للعراق على الخليج العربي.

أما الساحل الغربي ومحيط المخا، فالأرض هنا عبارة عن شريط ساحلي ممتد ومنفتح يتكئ على ظهير عسكري وعر من المرتفعات الجبلية. السيطرة هنا لا تستهدف دولة واحدة، بل تمثل تهديداً مباشراً لعصب الملاحة العالمية في مضيق باب المندب. تسعى الميليشيا جاهدة لاحتلال الساحل وجزره الاستراتيجية، لتحويل جنوب البحر الأحمر إلى ساحة ابتزاز دولي وورقة تفاوض إقليمية.

ثالثاً: ميزان الاستنزاف والنهاية العسكرية الحتمية
تثبت التجارب التاريخية أن التنظيم الدفاعي المنظم والتحصين النوعي يمتصان دائماً الاندفاع العشوائي للموجات البشرية ويفككان زخمها اللوجستي:

درس الفاو التاريخي: بعد عامين من التمسك الإيراني المستميت بشبه الجزيرة وتحمل خسائر بشرية هائلة، أطلقت القيادة العراقية عملية (رمضان مبارك) الخاطفة عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين. نجح التخطيط النوعي في حسم المعركة وكسر القوة الإيرانية خلال خمس وثلاثين ساعة فقط، مما شل القدرة القتالية لطهران وأجبر رأس نظامها على تجرع ((كأس السم)) وقبول وقف الحرب.

الواقع الاستراتيجي في المخا: تحول الساحل الغربي لليمن إلى (ثقب أسود) يلتهم تشكيلات النخبة الحوثية. إن صمود خطوط الدفاع للقوات المشتركة والردع البحري النوعي أفشل المناورات الهجومية للمليشيا، وحوّل اندفاعها المستمر إلى نزيف استراتيجي مستدام، يؤكد عجز هذه القوة الهجينة عن تحقيق خرق بحري حاسم أمام قوات نظامية متمرسة متمسكة بالأرض.

خلاصة استراتيجية: الساحل الغربي وبوابة الانهيار الشامل
إن القراءة المتأنية لمعطيات الميدان عسكرياً تؤكد أن انكسار المشاريع التوسعية عند الأطراف البحرية هو المقدمة الحتمية لتفكك سلطتها في العمق. إن عجز الحوثيين عن اقتحام أسوار المخا، وضياع طموحاتهم في السيطرة المستدامة على الجزر الساحلية والممرات المائية، يمثلان الانكسار الحقيقي للمشروع الإيراني في جنوب الجزيرة العربية.
إن عزل المليشيا بحرياً وقطع خطوط إمدادها اللوجستية لا يحمي الملاحة الدولية فحسب، بل يجرّدها من شريان البقاء المالي والعسكري. وكما كانت الفاو نقطة التحول التي قادت إلى النهاية الشاملة لحرب الثماني سنوات، فإن مقبرة المخا والساحل الغربي ستكون البوابة التي يتفكك عبرها الكيان الحوثي الهش، تمهيداً للتقدم الحتمي والتحرير الكامل للعاصمة المختطفة صنعاء.
والسلام ؛؛؛

 للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى