الوجه الآخر للكارما

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة رأي :
ثمة أفكار تبدو للوهلة الأولى كأنها تمنح العالم تفسيرًا عادلًا لكل شيء: من فعل خيرًا عاد إليه الخير، ومن زرع الألم حصد الألم، وما نعيشه اليوم قد يكون إمتدادًا لما فعلناه بالأمس، ومن هنا ظهرت عبر ثقافات مختلفة تصور الكارما بوصفها محاولات فلسفية وروحية لفهم العلاقة بين أفعال الإنسان ومصيره.
لكن الوجه الأكثر إثارة للجدل في هذه الأفكار لا يكمن في سؤال: هل يعود الفعل إلى صاحبه؟ أم ماذا يحدث للرحمة حين نفسر معاناة الإنسان بأنها نتيجة لما فعله في حياة سابقة؟ هنا تصبح الفكرة بحاجة إلى قدر كبير من الوعي، لأن الإعتقاد بأن لكل فعل أثرًا لا ينبغي أن يتحول إلى حكم على المتألم.
ففي بعض التصورات المرتبطة بالكارما وتناسخ الأرواح، يُنظر إلى حياة الإنسان الحالية بإعتبارها جزءًا من سلسلة ممتدة من الأفعال والنتائج، بحيث يمكن تفسير بعض الظروف التي يعيشها الإنسان باعتبارها آثارًا لأفعال سابقة، فقد يُقال إن الفقر، أو المرض، أو فقدان الفرص، أو المعاناة، ليست أحداثًا عشوائية، وإنما نتائج لمسار سابق لا نراه.
قد يبدو هذا التفسير منسجمًا مع رغبة الإنسان القديمة في العثور على معنى للألم، لكنه يصبح إشكاليًا حين ينتقل من تفسير فلسفي للوجود إلى حكم أخلاقي على الضحية ، فحين ننظر إلى إنسان فقير ونقول: ربما كان هذا جزاءً لما فعله في حياة سابقة، فإننا لا نكتفي بتفسير معاناته، ولكننا نضع بيننا وبينه مسافة أخلاقية خطرة، وكأن ألمه أصبح أقل إستحقاقًا للتعاطف ، وهنا ينبغي أن نتوقف.
فالفقر لا يحتاج إلى فلسفة تبرره، ولكنها تحتاج إلى إنسان يرى الإنسان أولًا ،وحين نلتقي بشخص يعيش في العوز، فإن السؤال الإنساني الأول لا ينبغي أن يكون: ماذا فعل ليستحق ذلك؟إنما : كيف يمكنني أن أساعده؟ لأن التعاطف لا يشترط أن نعرف سبب الألم حتى نستجيب له ، نحن لا نطلب من الجريح أن يقدم لنا ملفًا يثبت إستحقاقه للرحمة قبل أن نضمد جرحه، ولا نسأل الطفل الجائع عن أخطائه السابقة قبل أن نقدم له الطعام، فالرحمة في جوهرها تتجاوز الحساب.
وربما تكمن المشكلة في أن الإنسان حين يؤمن بأن العالم محكوم بمعادلة دقيقة من الفعل والجزاء، قد يشعر بالراحة أمام معاناة الآخرين، لأن هذه المعادلة تمنحه إحساسًا بأن كل شيء عادل، لكن الحياة أكثر تعقيدًا من أن نختصرها في معادلة نعرف جميع عناصرها، هناك طفل يولد في الفقر قبل أن يختار شيئًا، وهناك إنسان يولد في بيئة محرومة من التعليم والصحة والفرص، وهناك من يسقط في ظروف لم يصنعها، ثم يقضي حياته يحاول فقط أن ينجو منها، هل يمكن أن نحمل هؤلاء مسؤولية تاريخ لا يعرفونه؟ وهنا تظهر ضرورة الفصل بين الإيمان بالمسؤولية الأخلاقية وبين إدانة من يعاني.
وحتى في التصورات التي تؤمن بتناسخ الأرواح، يمكن أن يبقى سؤال الرحمة قائمًا، فإذا كانت الروح، بحسب هذا التصور، تمر بمراحل متعددة من التجربة والتعلم، فإن الإنسان الذي يقف أمامنا في هذه اللحظة هو كائن يعيش تجربة حقيقية الآن، والألم الذي يشعر به حقيقي، والجوع حقيقي،والخوف حقيقي، والحاجة إلى الأمان حقيقية، فحتى لو إفترضنا جدلًا أن للروح تاريخًا لا نعرفه، فإننا لا نعرفه، وهذه النقطة وحدها كافية كي تمنعنا من إصدار الأحكام، لا يجوز أن نستخدم حياة غائبة لا نستطيع إثبات تفاصيلها للحكم على إنسان حاضر أمامنا.
وقد يبدو أن هناك تعارضًا بين الإعتقاد بالكارما وبين التعاطف، لكن التعارض ليس ضروريًا ،فيمكن للإنسان أن يرى الحياة بإعتبارها شبكة من الأسباب والنتائج، وفي الوقت نفسه يمد يده لمن يحتاجها،و يمكن النظر إلى التعاطف نفسه بإعتباره فعلًا يغيّر سلسلة النتائج، فإذا كانت أفعالنا تترك أثرًا، فإن مساعدة إنسان محتاج هي أيضًا فعل له أثر.
حين أعطي الفقير فرصة، أو أطعم جائعًا، أو أساعد طفلًا على التعليم، فأنا لا ألغي فكرة المسؤولية، وإنما أضيف إلى العالم فعلًا جديدًا من الرحمة، وربما يكون هذا هو الوجه الأكثر جمالًا لأي فلسفة تؤمن بأن أفعالنا لا تضيع.
هناك فرق كبير بين أن نحاول فهم سبب الألم، وبين أن نجعل ذلك السبب ذريعة لعدم التدخل، قد لا نعرف لماذا ولد إنسان فقيرًا، لكننا نعرف أنه يحتاج إلى المساعدة، قد لا نعرف لماذا حدثت له مأساة، لكننا نعرف أن الوقوف إلى جواره فعل إنساني، وقد لا نملك تفسيرًا لكل ما يحدث في الحياة، لكننا نملك القدرة على أن نكون أقل قسوة فيها، وهذه ربما هي المساحة التي تتقدم فيها الأخلاق على التفسير.
ربما أخطر ما يمكن أن يحدث حين نؤمن بفكرة الجزاء هو أن يتحول العالم في أعيننا إلى دفتر حسابات: هذا يستحق، وهذا لا يستحق ،هذا أخطأ، وهذا عوقب هذا فقير لأنه فعل شيئًا في الماضي،وهنا نفقد شيئًا جوهريًا في إنسانيتنا: القدرة على الرحمة دون شروط، فالرحمة لا تسأل دائمًا عن الإستحقاق، حين ترى إنسانًا يتألم، لا تحتاج إلى معرفة كل أسرار الكون حتى تمد يدك إليه، يكفي أنك رأيت إنسانًا.
في النهاية، سواء آمن الإنسان بالكارما، أو بتناسخ الأرواح، أو رفضهما تمامًا، يبقى هناك مبدأ إنساني لا ينبغي أن تضيع بوصلته وسط هذه الأسئلة:لا تجعل تفسيرك لمعاناة الإنسان سببًا في التخلي عنه، فالفقر ليس تهمة، والمعاناة ليست دليل إدانة، والضعف لا يعني أن صاحبه أقل قيمة، وربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا فعل هذا الإنسان ليستحق ما يحدث له؟
بل:
ماذا أستطيع أنا أن أفعل حتى لا يصبح العالم أكثر قسوة عليه؟
فإن كانت أفعالنا تترك أثرًا كما تقول فلسفات الكارما، فلعل أجمل ما يمكن أن نتركه وراءنا ليس حكمًا على الآخرين،ولكن يدًا إمتدت، وقلبًا رحم، وفرصةً منحت، وإنسانًا خرج من عتمته لأنه وجد في طريقه إنسانًا آخر إختار أن يكون رحيمًا.
قد نختلف في تفسير مصائر الأرواح، لكن لا ينبغي أن نختلف في قيمة الإنسان.
للتواصل : [email protected]



