كتاب الرأي

ما وراء الشعار.. قراءة نقدية في الفجوات الاتصالية والإخراجية لهوية (نكتب قصة)

   د     ✍️حسن المقصودي – كاتب رأي:

أحدثت وزارة التعليم تحولاً ملحوظاً في فلسفة التواصل الحكومي بإطلاق هويتها الإعلامية للعام الدراسي الجديد تحت شعار (نكتب قصة)، مغادرةً بذلك الأنماط التقليدية القائمة على التوجيهات الجافة، لتتبنى نموذج الاتصال التشاركي القائم على أنسنة المؤسسة التعليمية، وجعل التعليم قصة مجتمعية مستمرة.

من منظور استراتيجي، يكمن الذكاء الاتصالي للشعار في توظيف الفعل الجماعي (نكتب)، الذي ينقل العبء الاتصالي من كاهل الوزارة بمفردها ويوزعه كمسؤولية مجتمعية مشتركة بين الطالب، والمعلم، والأسرة، والمدرسة. هذا الأسلوب يعزز مفهوم (المصير المشترك)، ويحول العملية التعليمية من خدمة حكومية مستهلكة إلى مشروع وطني تضامني تتقاطع فيه الجهود؛ لصناعة إنسان أفضل قدرة، وأعمق معرفة، وأوسع أثراً.

بيد أن هذه القيمة المفاهيمية العميقة تضع القائمين على الحملة أمام فجوات اتصالية وإخراجية واضحة تفصل بين عبقرية الفكرة الفلسفية وواقع التطبيق الرقمي المعروض حتى الآن، وهو ما يمكن رصده في المحاور التالية:

أحادية الخطاب وغياب صوت الميدان
بينما ينادي الشعار بـ (نكتب) بصيغة الجماعة، جاءت الأدوات التنفيذية أحادية الاتجاه؛ فالوزارة هي من يتحدث، والمجتمع مستمع ومستهلك للمحتوى البصري فحسب. لقد غابت المنصات التفاعلية أو الوسوم الموجهة التي تتيح للمعلم والأم والطالب سرد فصولهم الخاصة في هذه القصة، مما جعل (نون الجماعة) حبراً على ورق التصاميم، دون أن تتحول إلى ممارسة اتصالية تفاعلية تعكس واقع الميدان الفعلي.

جماليات الاستوديو في مواجهة واقعية الفصول
وهنا تظهر الفجوة الإخراجية في الحملة؛ إذ اعتمدت الهوية البصرية بشكل مفرط على صور الاستوديوهات المثالية واللقطات المعلبة الجاهزة، وهي لقطات تفتقر إلى الواقعية والهوية المحلية العفوية التي تمثل روح المدارس السعودية. لقد أغفل المخرج الفني استخدام تقنيات التصوير السينمائي التوثيقي، وحركة الكاميرا الحرة التي تنقل حيوية الفصول، وطابور الصباح، ومشاعر الأمهات الحقيقية عند أبواب المدارس، ليحل محلها إخراج تجاري جاف بدلاً من إخراج إنساني يلامس القلوب.

موسمية العودة وتحدي الاستدامة الزمنية
إن الأزمة الحقيقية التي تهدد شعار (نكتب قصة) هي النمط الموسمي للحملات الإعلانية، والتي تنتهي عادةً بانتهاء حدث العودة للدراسة. فالقصة رحلة ممتدة طوال العام، وإذا لم تضع الوزارة خطة لإنتاج محتوى سردي دوري يواكب فصول السنة الدراسية، وتحديات الامتحانات، ونضج المهارات، فإن الحملة ستتحول سريعاً إلى روتين اتصالي جاف بمجرد انتظام الطلاب في مقاعدهم، وتفقد المنصة السردية مبرر وجودها.

خارطة طريق لتصحيح المسار الاستراتيجي
إن رهان نجاح هوية (نكتب قصة) واستمراريتها، مرهون بمدى قدرة الإدارة الإعلامية في الوزارة على الانتقال من (التسويق الصامت) إلى (السرد الحي). ويتطلب ذلك إطلاق مساحات تفاعلية تسمح للجمهور بالمشاركة، والاعتماد على كاميرات وثائقية تنقل نبض الميدان وعفويته دون تكلف بصري، وصياغة محتوى دوري يمتد طوال الفصول الدراسية الثلاثة. هنا فقط يتحول الشعار من مجرد قالب بصري نراه إلى واقع اتصالي نعيشه، ونقيس من خلاله الأثر الفعلي للتعليم في بناء الإنسان ورصيد الوطن.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى