كتاب الرأي

عندما تسقط الأقنعة تبقى الأخلاق

          ✍️ سمسمه السعيد – كاتبة راي :

في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الحقيقة والكلمة أكثر انتشارا من الموقف لم تعد الأخلاق مجرد قيمة نتحدث عنها في المناسبات أو شعارا نرفعه أمام الآخرين بل أصبحت المعيار الحقيقي الذي يكشف معدن الإنسان ويظهر حقيقة شخصيته فكل إنسان يستطيع أن يتحدث عن نفسه بالصورة التي يريدها وكل شخص يستطيع أن يقدم للناس أفضل ما لديه ولكن هناك لحظات لا تستطيع الكلمات فيها أن تخفي الحقيقة ولا تستطيع المظاهر أن تحجب ما في الداخل وهي اللحظات التي تتعارض فيها المبادئ مع المصالح وعندما يصبح الصدق مكلفا والكذب مربحا وعندما تكون الأمانة ثقيلة والخيانة سهلة وعندما يكون الانتقام متاحا ويكون التسامح هو القرار الأصعب هناك فقط تسقط الأقنعة وتظهر الأخلاق على حقيقتهاء٠

الأخلاق ليست كلمات جميلة نرددها وليست مظهرا نرتديه أمام الناس ثم نخلعه عندما نغلق الأبواب الأخلاق موقف وسلوك وضمير ثابت يظهر عندما لا يكون هناك رقيب ولا كاميرا ولا جمهور فالإنسان الأخلاقي لا يفعل الصواب لأنه يخشى الناس بل لأنه يخشى أن يفقد احترامه لنفسه ولا يبحث عن التصفيق عندما يكون أمينا ولا ينتظر الشكر عندما يكون وفيا ولا يحتاج إلى من يراقبه حتى يحفظ حقوق الآخرين لأن الأخلاق الحقيقية تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الخارج٠

وقد يعتقد البعض أن الأخلاق تعني الضعف أو التنازل عن الحقوق ولكن الحقيقة أن الأخلاق من أقوى صور القوة فالذي يستطيع الرد ثم يختار الحكمة أقوى من الذي لا يعرف إلا الغضب والذي يستطيع الانتقام ثم يختار التسامح أكثر قوة ممن يجعل الإساءة أسلوبا في حياته والذي يمتلك السلطة ثم يستخدمها بعدل أعظم من الذي يستخدم قوته لإذلال الآخرين فالقوة الحقيقية ليست في قدرتك على إيذاء من أمامك وإنما في قدرتك على السيطرة على نفسك عندما تكون قادرا على فعل ذلك٠

والأخلاق لا تخص الفرد وحده بل هي أساس استقرار المجتمعات لأن المجتمع لا يمكن أن يبنى بالقوانين وحدها فالقانون يستطيع أن يعاقب المخطئ لكنه لا يستطيع أن يزرع الضمير في قلب الإنسان أما الأخلاق فهي التي تجعل الإنسان يراقب نفسه حتى عندما يغيب الرقيب وتجعل الموظف أمينا عندما لا يراه مديره وتجعل المسؤول عادلا عندما يستطيع استغلال منصبه وتجعل الإنسان يحفظ حقوق الآخرين حتى عندما لا يستطيع أحد إجباره على ذلك ولهذا فإن بناء الإنسان أخلاقيا لا يقل أهمية عن تعليمه أو تطوير قدراته لأن العلم يمنح الإنسان القدرة ولكن الأخلاق تعلمه كيف يستخدمها والقوة تمنحه النفوذ ولكن الأخلاق تمنعه من تحويل النفوذ إلى ظلم والمال يمنحه الخيارات ولكن الأخلاق تحدد له ما ينبغي أن يفعله بهذه الخيارات٠

وفي عصر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الأخلاق أكثر أهمية لأن الشهرة أصبحت سهلة والوصول إلى الناس أصبح أسرع والصورة أصبحت قادرة على صناعة انطباع خلال لحظات لكن الشهرة لا تصنع قيمة الإنسان والظهور لا يصنع الاحترام فقد يستطيع الإنسان أن يجذب آلاف المتابعين ولكنه لا يستطيع أن يجبرهم على الثقة به لأن الثقة لا تصنعها الكلمات وإنما تصنعها المواقف والاحترام لا يفرضه عدد المتابعين وإنما تبنيه الأخلاق٠

والأخلاق تظهر في التفاصيل التي قد يراها البعض صغيرة لكنها في الحقيقة تكشف الكثير عن الإنسان تظهر في احترام المواعيد وفي حفظ الأسرار وفي الوفاء بالوعود وفي رد الحقوق وفي الاعتذار عند الخطأ وفي احترام العامل كما نحترم المدير وفي الرحمة بالضعيف وفي عدم استغلال حاجة الآخرين وفي الحديث عن الغائب بالعدل وفي القدرة على الاختلاف دون إساءة لأن الإنسان لا يكشف معدنه الحقيقي عندما تسير الحياة كما يريد وإنما يكشفه عندما تختلف الظروف وتتغير المصالح ويصبح أمامه خيار بين ما يريده وما هو صحيح٠

وفي النهاية قد تتغير المناصب وتنتهي الشهرة ويتغير المال وتغلق الأبواب وينسى الناس كثيرا مما حققه الإنسان ولكنهم نادرا ما ينسون كيف عاملهم فالناس قد تنسى ما قلت لكنها تتذكر كيف جعلتها تشعر وقد تنسى إنجازاتك لكنها لا تنسى موقفك معها في وقت الشدة وقد تنسى حضورك لكنها تتذكر أثرك ولهذا فإن أعظم إرث يمكن أن يتركه الإنسان ليس ثروة يجمعها ولا منصبا يصل إليه ولا شهرة يحققها وإنما سيرة طيبة وسمعة نظيفة وقلوب تدعو له بالخير٠

فالأخلاق ليست ما نفعله عندما يراقبنا الناس بل هي ما نختاره عندما نملك القدرة على فعل العكس وهي أن تكون صادقا عندما يكون الكذب أسهل وأمينا عندما تكون الخيانة مربحة وعادلا عندما تكون المصلحة في الظلم ورحيما عندما تمنحك الحياة فرصة للقسوة وفي النهاية قد ينجح الإنسان بعلمه وقد يصل بماله وقد يصبح مشهورا بقوته ولكن احترام الناس الحقيقي لا يشترى ولا يفرض ولا يصنعه الإعلام لأن كل شيء يمكن أن يراه الناس في الإنسان إلا أخلاقه فهي الحقيقة التي تظهر عندما تسقط الأقنعة٠

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى