عطر الجدات الحنونات

✍️ الريم الهاجري – كاتبة راي :
فيه روائح لا تُباع، ولا تُشترى، ولا تُوضع في قوارير فاخرة.
إنها روائح إذا ما مرّت بنا فجأة، هدمت كل حصوننا، وأعادتنا إلى طفولتنا في لحظة.
إنها رائحة البخور الذي كانت تُشعله مع خيوط الفجر الأولى.
ورائحة الهيل المدقوق في المِهباج، وصوته الذي كان بمثابة منبه لأيامنا.
ورائحة العباءة القديمة التي كان دفؤها يغنينا عن كل بطانيات الدنيا.
لم تكن جداتنا يتعطرن للخروج،
بل كانت رائحتهن تخرج منهن… من أيديهن المتعبة بالعجين،
ومن ثيابهن التي غُسلت مراراً ولكنها ما زالت تحمل البركة،
ومن دعواتهن في جوف الليل: “الله يرضى عليكم يا أبنائي”.
كنا نركض إليهن ليس من أجل الحلوى،
بل كنا نركض لنتنفسهن. لنحضنهن.
لأن في أحضانهن كان يكمن معنى الأمان.
واليوم… بيوتنا مليئة بالمعطرات والبخاخات والعطور الباهظة،
ولكن الغريب أننا افتقدنا رائحة “تعالي نامي في حضني”.
وافتقدنا رائحة “أنا أفديك”.
لقد علمتنا الجدات درساً لا يُنسى:
إن العطر الحقي ليس ما تضعه على جسدك،
بل هو الأثر الطيب الذي تتركه في قلوب الناس.
وعندما يرحلن… لا يبقى منهن إلا الرائحة.
رائحة إذا ما عبرت مجلساً مصادفة، أبكتنا بلا سبب.
لذلك… قبّلوا أيديهن مبكراً، واحتضنوهن كثيراً.
لأن هناك روائح إذا ما ذهبت، لم تعد تعود أبداً .
للتواصل : [email protected]



