كتاب الرأي

قبل أن يقرع الجرس

       ✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب رأي :

اليوم يعود المعلمون والمعلمات إلى مدارسهم، يحملون معهم استعدادات عام جديد، وبعد أيام ستفتح المدارس أبوابها من جديد، وتستقبل أبناءنا وبناتنا في بداية رحلة أخرى من أعمارهم.

ستعود الحقائب إلى الأكتاف، والدفاتر إلى الطاولات، وتمتلئ الفصول بالأصوات، ويقرع الجرس معلناً بداية عام دراسي جديد.
لكن قبل أن يقرع جرس المدرسة، هناك جرس آخر يجب أن يقرع في البيت.
فالتعليم لا يبدأ عند بوابة المدرسة، ولا ينتهي عند خروج الطالب منها.
هناك جزء من التعليم لا يوجد في الكتب، ولا يكتبه المعلم على السبورة، بل يتعلمه الطفل في منزله قبل أن يدخل الفصل.
حين يسمع ابنك منك أن للعلم قيمة، سيذهب إلى مدرسته وهو يعرف لماذا يتعلم.
وحين يرى أن للوقت احتراماً، سيعرف معنى الانضباط.
وحين يتعلم في بيته أن الخطأ فرصة للتعلم لا سبباً للإحباط، فلن تكون أول درجة منخفضة نهاية العالم بالنسبة إليه.
ولهذا، لا تجعلوا علاقتكم بتعليم أبنائكم مرتبطة بالنتائج فقط.

لا يكن السؤال الدائم
«كم أخذت؟»

واسألوهم أحياناً
ماذا تعلمت اليوم؟
ماذا أعجبك؟
ما الذي لم تفهمه؟
هل أنت بخير في مدرستك؟

فقد تخبركم إجابة بسيطة بما لا تخبركم به شهادة كاملة.
ولا تقارنوا أبناءكم بغيرهم.
ليس كل طفل يبدأ من النقطة نفسها، ولا كل عقل يتعلم بالطريقة نفسها، ولا كل موهبة تظهر في ورقة اختبار.
قد يتفوق أحدهم في الرياضيات، ويجد الآخر نفسه في اللغة، ويبدع ثالث في الفن أو الرياضة أو مهارة لم تُكتشف بعد.

مهمتنا ليست أن نصنع نسخاً متشابهة من أبنائنا، بل أن نساعد كل واحد منهم على اكتشاف أفضل نسخة من نفسه.
وكونوا عوناً لهم، لا بإنجاز واجباتهم عنهم، ولا بإزالة كل عقبة من طريقهم، فبعض الصعوبات جزء من التعليم.

علموهم أن يحاولوا.
وأن الخطأ لا يعني النهاية.
وأن السؤال ليس عيباً.
وأن الدرجة المنخفضة يمكن تعويضها، لكن الاستسلام إذا أصبح عادة كان أصعب من أي مادة دراسية.

وعلموهم أن هيبة العلم من هيبة المعلم.

فلا ينبت الشغف في قلب طفل يُنتقص من معلمه أمامه في البيت، ولا يُنتظر منه أن ينصت في الصباح لمن سُحبت هيبته أمامه في المساء.
المعلم بشر يخطئ ويصيب، لكن قدره لا ينبغي أن يسقط عند أول خلاف.
وإن حدث موقف، فاسمعوا من ابنكم، واسمعوا من مدرسته، واحكموا بالعدل، طالبوا بحق أبنائكم إن كان لهم حق، ولكن لا تُسقطوا الرمز لتكسبوا الموقف.
فإن سقط المعلم في عين ابنكم، فلن يبقى أثر ذلك داخل الفصل وحده، فقد يسقط معه احترامه للعلم، ورغبته في التعلم، وثقته بمن يقوده إليه.
وحينها لن يكون المعلم هو الخاسر الأكبر…
بل الطفل نفسه.
ولهذا، لا تجعلوا المعلم مادة للسخرية في مجالس البيت، ولا تسمحوا للابن أن يعود غاضباً فيصف معلمه بما لا يليق ثم نمرر الأمر بحجة أنه طفل.

صححوا العبارة قبل أن تناقشوا الموقف.

قولوا له
(احترم معلمك أولاً، ثم أخبرني ماذا حدث)

لأن أبناءنا يتعلمون نظرتنا إلى الأشياء قبل أن يتعلموا كلماتنا عنها.
وإذا رأى الطفل والده يحترم معلمه، ثم وجد والديه عند الخلاف يناقشان الموقف بأدب ووعي، فسيتعلم دون محاضرة طويلة أن الاختلاف لا يلغي الاحترام

نريد جيلاً يعرف حقوقه جيداً، نعم.
لكننا نريده أيضاً أن يعرف واجباته.
يعرف كيف يقول (هذا حقي)، ويعرف في الوقت نفسه كيف يقول لمعلمه (شكراً)

فالحقوق لا تُبنى على إسقاط الهيبة، والاحترام لا يعني التنازل عن الحقوق.
وبين الاثنين تُصنع التربية.

وفي المقابل، اجعلوا البيت مساحة آمنة يعود إليها أبناؤكم بما حدث معهم.
لا تجعلوا خوفهم من ردة فعلكم أكبر من المشكلة التي مروا بها.

استمعوا قبل أن تحكموا، وافهموا قبل أن تعاقبوا.
فقد يعود الطفل صامتاً، وليس كل صمت يعني أن يومه كان بخير.
وقد يكون خلف عبارة

(ما في شيء)
شيء يحتاج منكم أن تقتربوا أكثر.
ومع بداية هذا العام، لا تنشغلوا فقط بشراء الحقيبة والدفاتر والأقلام والملابس.
هناك حقيبة أخرى يحملها أبناؤكم معهم كل صباح، ونحن من يملؤها.
ضعوا فيها الثقة.
والاحترام.
والانضباط.
وحب التعلم.
والقدرة على الاعتذار.
واحترام زملائهم.
ورفض التنمر والسخرية من الآخرين.
والمحافظة على ممتلكات المدرسة.

فهذه الأشياء قد لا تدخل في المعدل، لكنها تدخل في صناعة الإنسان.

أيها الآباء والأمهات
المدرسة ليست مكاناً نسلّم إليه أبناءنا في بداية العام، ثم نعود في نهايته لنسأل عن النتيجة.
والتعليم ليس مسؤولية معلم وحده، ولا أسرة وحدها.
إنها شراكة تبدأ من البيت، وتستمر في المدرسة، ويقف في منتصفها ابن نريد له جميعاً أن ينجح.

اقتربوا من أبنائكم هذا العام.
ليس لتراقبوهم في كل خطوة، بل ليعرفوا أن هناك من يسير خلفهم إن تعثروا، وبجوارهم إن احتاجوا، ويفرح بهم حين يصلون.
ولا تطلبوا منهم عاماً بلا أخطاء.
اطلبوا منهم عاماً مليئاً بالمحاولة.
فقد ينسى الطالب بعد سنوات كثيراً مما حفظه للاختبار، لكنه لن ينسى معلماً آمن به، ولا أباً شجعه، ولا أماً احتوت خوفه، ولا بيتاً جعله يشعر أن التعثر لا يعني الفشل.

ومع بداية عام جديد، نقول لمعلمينا ومعلماتنا
شكراً لأنكم تعودون كل عام لتحملوا أمانة ليست سهلة، ولأن بين أيديكم عقولاً وقلوباً ومستقبلاً يتشكل كل يوم.

ونقول للأسر
كونوا عوناً للمعلم، يكن المعلم عوناً لأبنائكم.

وتذكروا دائماً، أن المدرسة تستطيع أن تعلم أبناءنا الكثير، لكنها تحتاج بيتاً يساعدها على أن تجعل من هذا العلم إنساناً.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى