كتاب الرأي

صنائع المعروف تقي مصارع السوء

      ✍️طاهرة الشامسي – كاتبة رأي :

في هذه الحياة، لا نعرف دائمًا أين تذهب أفعالنا الجميلة، ولا نعرف أيّ أثر تتركه كلمة طيبة قلناها، أو يدٍ امتدت بالعطاء، أو قلبٍ احتوى حزينًا، أو موقفٍ وقفناه إلى جانب إنسان كان في أمسّ الحاجة إلى من يقف معه. قد نصنع المعروف ونمضي، وننسى أننا صنعناه، لكن المعروف لا ينسى. قد تنسى أنت موقفًا وقفت فيه مع شخص، لكنه قد يظل يتذكره ما بقي من عمره. وقد تنسى مبلغًا أعطيته لمحتاج، لكنه ربما كان في ذلك اليوم سببًا في إطعام أسرة. وقد تنسى كلمة طيبة قلتها لإنسان منكسر، بينما بقيت تلك الكلمة في قلبه سنوات، وربما كانت سببًا في أن يستعيد ثقته بنفسه ويواصل طريقه.

هكذا هو المعروف، نزرعه بأيدينا، ثم يمضي بعيدًا عن أعيننا، ولا نعلم أين ينبت، ولا متى يعود إلينا. ومن أجمل ما قيل في أثر الخير: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء). وما أعمق هذا المعنى!

فليس كل ما يحمينا في هذه الحياة نراه بأعيننا، وليس كل نجاة نعرف سببها، وليس كل بلاء صُرف عنا نعلم أننا كنا قريبين منه. قد يكون معروف صنعته في يوم من الأيام، هو أحد أسباب لطف الله بك في يوم آخر. قد تكون وقفت مع إنسان حين احتاجك، فيقف الله معك حين تحتاج إليه. وقد تكون فرّجت كربة عن إنسان، فيجعل الله لك فرجًا من حيث لا تحتسب. وقد تكون جبرت خاطرًا منكسرًا، فيجبر الله خاطرك في وقتٍ لا تجد فيه أحدًا سواه.

لذلك لا تحتقر معروفًا مهما كان صغيرًا. لا تقل إن ما أستطيع تقديمه قليل. فالقلوب لا تقيس العطاء دائمًا بحجمه، وإنما بصدقه. ربما تكون ابتسامتك لشخص مهموم أعظم عنده من هدية غالية. وربما تكون مكالمة قصيرة منك لإنسان وحيد أغلى عنده من كثير من الأشياء. وربما تكون كلمة (أنا بجانبك) هي أكثر ما يحتاج إليه إنسان يمر بظرف قاسٍ. وربما يكون دعاؤك لإنسان في غيابه أعظم هدية تستطيع أن تقدمها له.

إن المعروف ليس مالًا فقط. المعروف كلمة. المعروف ابتسامة. المعروف ستر. المعروف عفو. المعروف نصيحة صادقة. المعروف زيارة مريض. المعروف سؤال عن غائب. المعروف مواساة حزين. المعروف مساعدة محتاج. المعروف أن تفتح بابًا مغلقًا أمام إنسان، وأن تدله على طريق، وأن تنصف مظلومًا، وأن تحفظ سرًا، وأن تعفو عن زلة. المعروف أن تكون إنسانًا حين يحتاج الآخرون إلى إنسان.

وما أجمل أن يكون الإنسان في حياته مصدر أمان لمن حوله. إذا حضر، اطمأنت القلوب. وإذا تحدث، أنصت الناس. وإذا غاب، دعوا له. وإذا ذُكر اسمه، قيل: كان صاحب خير. هذه هي الثروة الحقيقية التي لا تُقاس بالأرقام. فالمال قد ينتهي، والمناصب تزول، والشهرة تخفت، والسنوات تمضي، لكن الأثر الطيب يبقى.

كم من أشخاص رحلوا عن الدنيا، لكنهم ما زالوا يعيشون في قلوبنا!
لم يبقَ منهم بيت ولا منصب ولا مال، لكن بقيت مواقفهم. بقيت ضحكاتهم. بقيت كلماتهم. بقيت أياديهم التي امتدت بالخير. بقيت وجوههم في ذاكرة من عرفهم. وبقيت الدعوات تلاحقهم حتى بعد أن غابوا عن أعيننا. وهذه من أجمل صور الحياة.
أن ترحل ويبقى منك ما يجعل الناس يبتسمون حين يتذكرونك. أن تغيب ويبقى حضورك في قلوب من أحببت. أن يمضي العمر، وتبقى سيرتك تقول: مرّ من هنا إنسان كان يحمل الخير للناس.

ولذلك، لا تجعل الخير مرتبطًا بالمقابل. لا تفعل المعروف لأنك تنتظر شكرًا. ولا تساعد لأنك تريد أن يقال عنك كريم. ولا تقف مع الآخرين حتى تذكّرهم يومًا بما فعلت. فإذا صنعت المعروف، فاصنعه لله. واترك أمر الجزاء لله. لأن البشر قد ينسون، وقد يجحدون، وقد لا يقدرون ما قدمته لهم، لكن الله لا ينسى. قد تعطي إنسانًا ولا يرد لك الجميل. وقد تقف مع شخص ثم يبتعد عنك. وقد تساعد من لا يساعدك. وقد تخلص لمن لا يعرف معنى الوفاء. ومع ذلك، لا تتوقف عن الخير.

ليس لأن الناس جميعًا يستحقون، وإنما لأنك لا تريد أن تخسر أجمل ما فيك بسبب سوء الآخرين. إذا أساء إليك شخص، فلا تسمح لإساءته أن تجعلك سيئًا. إذا ظلمك أحد، فلا تجعل الظلم يسرق منك عدلك. إذا جحد أحد معروفك، فلا تجعل الجحود يطفئ فيك حب العطاء.
كن أنت كما تحب أن تكون. فالأخلاق ليست رد فعل على أخلاق الآخرين، بل هي اختيار الإنسان لنفسه. ومن أجمل صنائع المعروف أن تحفظ كرامة الآخرين. أن تعرف شيئًا عن إنسان ثم لا تستخدمه ضده. أن ترى ضعف شخص فلا تستغل ضعفه. أن تعرف سرًا فلا تفشيه. أن تسمع شكوى فلا تحولها إلى حديث مجالس. أن ترى عثرة إنسان فلا تجعلها مادة للسخرية.

فكن رحيمًا. لا تكن سببًا في زيادة ألم أحد. قد لا تستطيع أن تحل مشكلته، لكنك تستطيع ألا تكون مشكلة إضافية في حياته. وقد لا تستطيع تغيير واقعه، لكنك تستطيع أن تمنحه لحظة يشعر فيها بأنه ليس وحيدًا. وهذا في حد ذاته معروف.

إن كثيرًا من الخلافات كان يمكن أن تنتهي بكلمة طيبة. وأن كثيرًا من القلوب كان يمكن أن تبقى قريبة لو أننا اخترنا التسامح بدل العناد. ومن المعروف أن تعطي الناس أعذارًا. لا تحكم على إنسان من موقف واحد. لا تعرف ظروفه. لا تعرف ما مر به. لا تعرف ما الذي يختبئ خلف صمته. ولا تعرف المعارك التي يخوضها وحده.
فربما كان قاسيًا لأنه متعب. وربما كان صامتًا لأنه موجوع. وربما كان بعيدًا لأنه يحتاج إلى من يفهمه، لا إلى من يحكم عليه. كن رحيمًا ما استطعت.

فلا تبحث عن عظمتك في أعين الناس. ابحث عنها في أثر قدمك في حياتهم. لا تبحث عن عدد الذين يصفقون لك. ابحث عن عدد الذين يدعون لك. لا تسأل كم شخصًا يعرفك. اسأل: كم قلبًا أحب وجودي لأنه وجد مني خيرًا؟
فهناك فرق كبير بين إنسان يعيش في ذاكرة الناس لأنه مشهور، وإنسان يعيش في قلوبهم لأنه طيب.

ختامًا..
رب يدٍ امتدت يومًا بالعطاء، حماها الله من مصارع السوء. فاصنعوا المعروف ما استطعتم، فربما كان الخير الذي تزرعونه اليوم، هو النجاة التي تبحثون عنها غدًا.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى