حين يرسم الفن … ماتعجز عنه الكلمات

✍️ ريم الجريس – كاتبة رأي :
في زمنٍ أصبحت فيه الصور تتدفق أمام أعيننا كل ثانية، لم يعد السؤال: كم لوحة شاهدنا؟ بل أصبح: أي لوحة استطاعت أن توقفنا؟
الفن التشكيلي اليوم لم يعد يبحث عن الإطار الذي يحتضنه، بل عن الإنسان الذي يفهمه ، لم يعد يكتفي بأن يكون لوناً على لوحة، بل أصبح سؤالاً يُعلق على الجدار، وإجابةً يكتبها كل متأمل بطريقته الخاصة
نعيش عصراً يفيض بالمحتوى البصري، لكن الفارق أن كثرة الصور لم تصنع كثرة التأمل ، أصبح بإمكان الهاتف المتنقل أن يعرض آلاف الأعمال الفنية في دقائق، بينما قد يحتاج الإنسان إلى ساعة كاملة ليفهم لوحة واحدة
هنا تكمن قيمة الفن الحقيقي ، فهو لا ينافس سرعة العالم، بل يبطئها، ليمنح الإنسان فرصة يرى فيها نفسه
لقد تغير الفنان التشكيلي أيضاً ، لم يعد ذلك الشخص المنعزل في مرسمه، بل أصبح باحثاً ، ومؤرخاً، ومصمماً، وراوياً للحكايات، يوظف التقنيات الحديثة دون أن يتخلى عن حسه الإنساني ، يستخدم الذكاء الاصطناعي أحياناً، ويعرض أعماله رقمياً، لكنه يدرك أن الفكرة ستظل أهم من الأداة، وان التجربة الإنسانية تبقى هي التي تمنح العمل معناه وعمقه
وفي المملكة العربية السعودية، لا يعيش الفن التشكيلي مرحلة ازدهار فحسب، بل يعيش مرحلة إعادة تعريف فالمعارض لم تعد مجرد مناسبات موسمية، بل تحولت إلى منصات للحوار، واكتشاف المواهب، وربط الفن بالاقتصاد والسياحة والهوية الوطنية ، وأصبح الفنان السعودي يقدم أعمالاً تحمل بصمة محلية قادرة على مخاطبة جمهور عالمي دون أن تتخلى عن جذورها
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنتاج المزيد من اللوحات ، ولا يكتمل ازدهار المشهد الفني بكثرة الفنانين وحدهم، بل باتساع دائرة المتذوقين للفن الذين يستطيعون الوقوف أمام عمل فني، وقراءته كما تُقرأ الكتب. فحين يرتقي الذوق، يرتقي الحوار، وحين يرتقي الحوار، ترتقي الحضارة
إن الفن التشكيلي ليس ترفاً بصرياً، ولا زينة تُعلق على الجدران، بل هو ذاكرة تُرسم، وهوية تُصان، ورسالة تُقال بالألوان حين تضيق الكلمات عن التعبير
وربما لهذا السبب ستبقى اللوحة الصادقة أطول عمراً من آلاف الصور العابرة ، لأنها لا تسكن الجدار فقط، بل تسكن الذاكرة .



