الاخبار الدولية + الاخبار العربية والخليجية

ورقة سياسات” حول فجوة الشرعية السياساتية في صناعة التشريع الأردني”

عنوان – متابعات – ماجد دغريري

ناقش معهد السياسة والمجتمع، في ورقة سياسات، قام بإعدادها الباحث حسين الصرايرة، إشكالية متكررة في عملية صناعة التشريع في الأردن، تتمثل في انتقال عدد من مشاريع القوانين إلى مجلس النواب وسط جدل واسع حول أهدافها ومبرراتها وآثارها، وما يرافق ذلك من انخراط الحكومة في جهود مكثفة لشرح مشاريعها والدفاع عنها بعد وصولها إلى السلطة التشريعية.

وتطرح الورقة، التي جاءت بعنوان: “ماقبل البرلمان: الحلقة المفقودة في صناعة التشريع الأردني”
سؤالاً مركزياً حول ما إذا كانت المشكلة تكمن فعلاً في ضعف قدرة الحكومات على “تسويق” مشاريع القوانين، أم أن جذور المشكلة تقع في مرحلة أسبق، تتصل بطريقة إعداد السياسات العامة وبناء الشرعية المعرفية للتشريعات قبل إحالتها إلى مجلس النواب.

وتشير الورقة إلى أن الحكومة، بحكم دورها الدستوري في المبادرة التشريعية وتنفيذ السياسات العامة، مطالبة بتفسير سياساتها وشرح أهدافها وآثارها، لكنها لا ينبغي أن تتعامل مع التشريع باعتباره “منتجاً” يحتاج إلى حملة تسويقية بعد إنتاجه. وترى أن الاتصال الحكومي الأكثر فاعلية يبدأ قبل صياغة النص القانوني، من خلال توضيح المشكلة، وعرض الأدلة، ودراسة البدائل، والاستماع إلى أصحاب المصلحة، وتقييم الآثار المحتملة.

وتؤكد الورقة أن جودة التشريع لا تتحدد فقط بسلامة النص القانوني، وإنما أيضاً بجودة العملية التي أنتجته؛ فالتشريع الذي يستند إلى بيانات وأدلة، وتسبقه مشاورات منظمة وتقييم للآثار، يصل إلى البرلمان في بيئة أكثر وضوحاً، ويتيح للنواب والمجتمع مناقشة الخيارات والسياسات بدلاً من الانشغال للمرة الأولى بالسؤال عن دوافع التشريع ومبرراته.

وفي هذا السياق، تقترح الورقة إطاراً تفسيرياً تحت مسمى “فجوة الشرعية السياساتية”، باعتبارها فجوة يمكن أن تنشأ عندما ينتقل مشروع القانون إلى المرحلة البرلمانية قبل استكمال النقاش العام حول المشكلة التي يعالجها، والبدائل المتاحة، والأدلة التي استندت إليها الحكومة، والآثار المتوقعة منه. وتؤكد الورقة أن المفهوم يمثل إطاراً تحليلياً مقترحاً لفهم الحالة الأردنية، وليس ادعاءً بأن غياب المشاورات هو التفسير الوحيد للجدل التشريعي.

وتتوقف الورقة عند مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية باعتباره حالة تطبيقية تتيح اختبار هذا الإطار، خصوصاً في ظل النقاشات التي رافقت بعض مواده وما يمكن أن يترتب عليها من آثار على حقوق الملكية، وقيمة الأراضي، والاستثمار العقاري، وتوقعات السوق، بما في ذلك المخاوف المرتبطة بالاستملاك ومسارات مشاريع البنية التحتية المستقبلية.

وتشدد الورقة، في الوقت ذاته، على ضرورة التمييز بين غياب المشاورات وغياب توثيقها العلني. وتوضح أن عدم ظهور تفاصيل كافية حول المشاورات السابقة على إحالة مشروع قانون الملكية العقارية في السجل الرسمي المنشور لا يعني بالضرورة عدم إجراء مشاورات، وإنما يثير سؤالاً حول مستوى الشفافية والمؤسسية في توثيق هذه العملية وإتاحتها للرأي العام.

وتلفت الورقة إلى أن التجربة الأردنية نفسها تقدم نماذج مختلفة؛ ففي بعض مشاريع القوانين، ومنها مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، أعلنت الحكومة عن حوارات مع النواب والأعيان والقطاعات المعنية والخبراء، والاستناد إلى دراسات واستطلاعات رأي. وترى أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في إثبات أن الحكومة لا تتشاور، وإنما في طرح سؤال أوسع: لماذا لا تتحول الممارسات التشاورية الجيدة إلى قاعدة مؤسسية موحدة لجميع مشاريع القوانين ذات الأثر الواسع.

وترى الورقة أن هذا السؤال ينقل النقاش من تقييم أداء حكومة أو وزير بعينه إلى مستوى أعمق يتعلق بتصميم عملية صناعة التشريع نفسها، بحيث لا تعتمد جودة المشاورات وتقييم الأثر على طبيعة المشروع أو الوزارة أو الحكومة أو الوزير، وإنما تصبح جزءاً ثابتاً من دورة إعداد القوانين.

وفي مواجهة الحجة القائلة إن المشكلة قد تكون سياسية أو بنيوية أكثر من كونها إجرائية، تقر الورقة بأن التشريع ليس عملية تقنية محايدة، وأن كثيراً من الخلافات حول القوانين تعكس تعارضاً حقيقياً بين مصالح ورؤى سياسية واقتصادية واجتماعية لا يمكن حسمها بمجرد إجراء مزيد من المشاورات.

إلا أن الورقة ترى أن الإصلاح الإجرائي يظل ذا قيمة، لأنه لا يستهدف إلغاء الخلاف السياسي، وإنما تحسين شروطه؛ فالمشاورات وتقييم الأثر لا ينتجان بالضرورة توافقاً، لكنهما يمكن أن ينقلا النقاش من الشكوك حول النوايا ونقص المعلومات إلى خلاف أكثر استناداً إلى الأدلة والبدائل والآثار المتوقعة.

وتوصي الورقة بتطوير دورة أكثر تكاملاً لصناعة التشريع في الأردن، تبدأ بتحديد المشكلة وجمع الأدلة، ثم دراسة البدائل والمشاورات العامة وتقييم الأثر، قبل الانتقال إلى صياغة مشروع القانون وإحالته إلى مجلس النواب.

كما تقترح تطوير ما تسميه “مذكرة السياسات” المرافقة للتشريعات الكبرى، بحيث لا تقتصر الوثائق الحكومية على الأسباب الموجبة، وإنما تتضمن تعريف المشكلة، والبيانات التي تستند إليها الحكومة، والبدائل التي درستها، وأسباب اختيار البديل المقترح، والآثار الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة، ونتائج المشاورات، ومؤشرات قياس النجاح بعد تطبيق القانون.

وتدعو الورقة كذلك إلى تطوير آليات الاتصال الحكومي، بحيث تنتقل من نموذج “الدفاع المتأخر عن القانون” إلى نموذج يقوم على بناء الفهم العام للسياسة قبل وصولها إلى البرلمان، معتبرة أن الحكومة لا ينبغي أن تكون معنية فقط بإقناع الجمهور بأن القانون جيد، وإنما بتمكينه من فهم المشكلة التي يعالجها والخيارات التي استند إليها.

وتخلص الورقة إلى أن التحدي لا يتمثل في غياب الممارسات الجيدة داخل الدولة الأردنية، وإنما في عدم تحول هذه الممارسات بصورة منهجية إلى قواعد مؤسسية. وترى أن الأردن لا يحتاج بالضرورة إلى استيراد نموذج تشريعي كامل من الخارج، بقدر حاجته إلى مأسسة الممارسات الجيدة الموجودة بالفعل وتحويلها من مبادرات متفرقة إلى جزء ثابت من دورة التشريع.

وتؤكد الورقة أن الهدف من الإصلاح المقترح ليس جعل الحكومة أكثر قدرة على الدفاع عن قوانينها بعد إحالتها إلى البرلمان، وإنما جعل عملية صناعة القانون نفسها أكثر شفافية واستناداً إلى الأدلة وأكثر قدرة على بناء الثقة قبل الوصول إلى مرحلة التشريع.

وتختتم الورقة برسالة أساسية مفادها أن المشكلة ليست أن الحكومة تتشاور أحياناً ولا تتشاور أحياناً أخرى؛ بل إن جودة التشاور لا ينبغي أن تعتمد على طبيعة المشروع أو الوزارة أو الحكومة أو الوزير، وإنما يجب أن تصبح جزءاً مؤسسياً من دورة التشريع. ومن ثم، فإن الانتقال من “تسويق القوانين” إلى “مأسسة صناعة التشريع” يمثل، وفق الورقة، خطوة أساسية نحو تشريعات أكثر قابلية للتوقع، وأكثر قدرة على تحقيق أهداف السياسات العامة، وأعلى مستوى من الثقة لدى المواطنين والفاعلين الاقتصاديين. 

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى