حين تصير الكتب جدارًا للذاكرة

✍️ سلوى الانصاري – كاتبة رأي :
لم يكن ذلك اليوم اعتياديًا كان يوم مختلف تعانقت فيه العقول مع الكتب والتفت الصفحات على الأرواح وكأنها أطياف الأحبة اللذين عنقناهم بين السطور كل تلك الشخصيات الخالدة وقفت امامي فألقيت عليها السلام واحدًا تلو الاخر ،عجبت لأمرهم لماذا خرجوا
جميعًا وكأنهم على موعد مع الأحبة فهمس لي احدهم انه اليوم العالمي لمحبي الكتب .
لم أكن بحاجة إلى البحث عن صورةٍ تختصر علاقتي بالكتاب؛ فقد وجدتها أمامي، شامخةً في حي حراء الثقافي بمكة المكرمة.
وقفتُ طويلًا أمام هذه المكتبة، لا لأن الرفوف كانت ممتلئة بالكتب فحسب، بل لأن المشهد بدا لي أشبه بمدينةٍ كاملة، شُيّدت من الحروف، وسكنتْها أجيالٌ من العقول.
كتبٌ متراصة كأنها لا تحمل عناوينها على ظهورها، بل تحمل أعمار مؤلفيها، وأسئلتهم، وأحلامهم، وما تركوه لنا من أثرٍ كي لا نبدأ من الصفر.
تأملتُ تلك الرفوف، وشعرتُ أن الكتاب حين يُجاور الكتاب لا يصبحان كتابين؛ بل يولد حوارٌ بين زمنين، وذاكرةٌ تتناقلها الأيدي، وفكرةٌ تعثر على فكرةٍ أخرى في الطريق فتلازمها إلى الأبد .
ما أعجب الكتاب!
يأتيك صغيرًا بين يديك، كطفلٍ في المهد يبتسم للحياة، ثم يكبر حتى يسكن العالم بأكمله .
يفتح صفحاته فلا تعرف أين ستأخذك؛ قد تعيدك إلى قرنٍ مضى، أو تفتح لك نافذةً على مستقبلٍ لم يولد بعد، وقد تقودك جملةٌ واحدة إلى مكانٍ في داخلك لم تكن تعرف أنه موجود.
ولعل أجمل ما في هذه المكتبة أنها في مكة المكرمة مهبط الوحي وعلى مقربة من غار حراء فهو المكان الذي ارتبط بأول نداءٍ للمعرفة، تبدو الكتب وكأنها تستعيد صدى الكلمة الأولى: “اقرأ”.
ليست القراءة ترفًا نمارسه حين يتسع الوقت؛ إنها واحدة من عجائب الإنسان في أن يكبر في عمره دون أن يطيل أيامه.
فالذي يقرأ لا يعيش حياةً واحدة؛ يعيش حيواتٍ كثيرة، ويمشي في طرقٍ لم تطأها قدماه، ويصادق أناسًا لم يلتقهم، ويفكر بعقولٍ لم تُخلق في زمنه، ثم يعود إلى نفسه أكثر اتساعًا وأقل يقينًا بما كان يظنه حقيقةً مكتملة.
ولذلك، حين رأيتُ هذه الرفوف، لم أرَ كتبًا فحسب.
رأيتُ أجيالًا من البشر وقد قرروا ألا تذهب اصواتهم معهم إلى الغياب.
كل كتاب هنا شاهدٌ على أن الإنسان، مهما انقضى عمره، يستطيع أن يترك وراءه شيئًا من صوته؛ كلمةً تعبر الزمن، وفكرةً تنجو من النسيان، وحكايةً تجد قارئها بعد عشرات السنين.
وربما لهذا أحب الكتب محبوها؛ لأنها لا تسألنا من نكون قبل أن تفتح لنا أبوابها.
تمنحنا مقعدًا في مجالس لم نحضرها، وتضع بين أيدينا مفاتيح لخزائن لم نرها، وتقول لنا في هدوء:
هلمو
فما زال في هذا العالم ما يستحق أن يُقرأ.
ومن أجمل ما يمكن أن تفعله مدينةٌ بالكتاب أن تمنحه مكانًا يليق به.
وهذه المكتبة، في قلب مكة، بدت لي كذلك المكان؛ بيتًا كبيرًا للذاكرة، وملاذًا لمن لا يزال يؤمن بأن أمةً تقرأ، تستطيع أن ترى العالم بعينٍ أوسع، وأن ترى نفسها بعمقٍ أكبر.
غادرتُ المكان، لكنني تركتُ شيئًا مني بين تلك الرفوف ربما هذه هي حيلة الكتب الأجمل “أنك حين تغادرها، لا تغادرها كاملًا بل يبقى منك شيءٌ في صفحاتها، ويبقى منها شيءٌ فيك للأبد.



