كتاب الرأي

سراب الجليد ​من ملفات المحقق سمير

     ✍️ سمير الشحيمي – كاتب رأي :

​كان الشتاء يفرض سكونه القاسي، وصوت صرير الأبواب المعدنية يتردد في أرجاء معمل الثلج القديم المهجور عند أطراف الرصيف البحري.
​في منتصف القاعة الصقيعية، كان يجلس النحات الشهير (عمران) يتوسط كتلة جليدية ضخمة. لم يكن مقتولاً، بل كان في حالة تجمد وتيبس إدراكي تام، ويداه اللتان أبدعتا أجمل التماثيل مثبتتان بسلاسل حديدية داخل حوض مملوء بماء مجمد جزئياً، بينما صُبت على صدره طبقة من الشمع الأبيض البارد. وعلى جدار الجليد الخلَفي، حُفرت عبارة بحروف غائرة:
​«المشاعر حرارة زائفة تحرق العقل، والجمود هو الخلود الوحيد. لقد جردتُه من إحساسه، والدور القادم على دفء يقينك.»
​وعلى حافة الحوض الخشبي، وضعت قطعة شطرنج واحدة: “القلعة البيضاء”، وتفوح منها رائحة غريبة… مزيج من “زيت الكافور البارد وعطر العنبر الأسود المجفف”.
​اقترب المحقق سمير بخطوات واثقة، وصوت غليونه يرسل دخانًا دافئًا يتصاعد في الهواء المتجمد. أدرك فورًا أن الخصم هذه المرة يستهدف عاطفة الإبداع والإحساس لدى ضحاياه، معتمدًا على عقار كيميائي يسبب صدمة عصبيّة تُجمّد المشاعر وتدفع العقل إلى الفراغ المطلق.
​قادت الشواهد العطرية المحقق سمير إلى مشغل قديم لتشغيل المعادن وحفظ المواد في الميناء، حيث يقيم مستورد مكاتب قديم يُدعى (جعفر). وتحت نظرات سمير الصارمة وحضوره الهادئ، اعترف جعفر بصوت يرتجف من الخوف:
— “هناك شخص يطلق على نفسه (حارس الصقيع)… يأتي في خفيّة الليل، يشتري العنبر الأسود والكافور الصافي، ويتردد دائمًا بأن عواطف البشر نقطة ضعف يجب إخمادها!”
​في اليوم التالي، عند عودة المحقق سمير إلى مكتبه، وجد على كرسيه صندوقًا معدنيًا مغطى بطبقة كثيفة من الصقيع، مقفولاً بقفل محفور عليه شكل قلب متجمد. عند فتحه، وجد بداخلها قطعة ثلج جافة تبخرت فورًا، وتحتها ورقة تحمل رسالة قصيرة:
​«البرودة ستتسلل إلى أفكارك يا سمير… وسوف تتجمد أدلتك قبل أن تصل إلي.»
​لم تتبدل ملامح المحقق سمير ولم ينبض قلبه بقلق. أخرج غليونه، ونفث سحابة دافئة من الدخان نحو الورقة، ثم قال بنبرة ثابتة:
— “الجليد يذوب دائمًا أمام نيران الحق يا حارس الصقيع… والجمود الذي تراه خلودًا، ليس سوى مقبرة لشرورك.”
​سحب سمير مفكرته الجلدية، وسجل بخط عريض:
​«قضية سراب الجليد؛ المجرم يظن أن تحنيط المشاعر يمنحه السيطرة، لكنه نسي أن ذكاء المحقق هو الشعلة التي لا تطفئها برودة الظلام.»
​ثم أغلق المفكرة بهدوء، وهو يعلم أن اللحظة الحاسمة لإذابة هذا الغموض قد اقتربت.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى