
✍️ ناهد شما – كاتبة رأي :
يعد زواج الأبناء وانتقالهم لبناء حياتهم المستقلة من أجمل وأصعب المراحل التي تمر بها كل أسرة، وهي اللحظة التي يجد فيها الآباء والأمهات أنفسهم أمام واقع جديد يتسم بالهدوء المفاجئ، بعد عقود طويلة مليئة بالحركة والمسؤوليات اليومية. إن إغلاق الباب خلف آخر الأبناء المنتقلين إلى بيوتهم الجديدة، لا يعني أبداً أن دور الأم والأب قد انتهى، بل هو شهادة نجاح كبيرة لرحلة تربية طويلة أثمرت عن زواج ابنتين وولد، ووصولهم إلى بر الأمان والاستقرار.هذا الهدوء الجديد في البيت يمنح الزوجين فرصة طيبة للعودة إلى البدايات، والالتفات لبعضهما البعض بعد أن أخذت سنوات التربية والتعليم والعمل الكثير من وقتهما، ليعيشا معاً مرحلة جديدة من السلام ومشاركة الذكريات الجميلة التي ما زالت تسكن زوايا المكان مع الابناء ورغم هذا السلام، يبقى قلب الأم والأب في حالة شوق دائم لا ينقطع لأبنائهم الذين غادروا العش؛ شوق لتفاصيلهم، وضحكاتهم، وحتى لخطواتهم في أرجاء البيت. ويتضاعف هذا الحنين ويمتد عبر المسافات صَوْب الابنة الوسطى التي رافقتنا لسنوات طويلة ، ثم سافرت بعيداً لتكمل مشوار حياتها في غربة تأخذها عن العين ولكنها تُقربها أكثر من الروح والوجدان، ليبقى طيفها حاضراً في كل زاوية، ودعاء الأم لها ولأخواتها بالتيسير والأمان رفيقاً لهم في كل خطوة غربة.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن هذا الفراغ ليس حزناً أو عزلة، بل هو مجرد انتقال للصخب والنشاط؛ فالبيت لم يفرغ في الحقيقة، وإنما توزعت روحه لتضيء بيوتاً جديدة أسسها الأبناء، وهي سنة الحياة الطبيعية التي تضمن استمرار الأجيال.
وهنا يتحول تعب السنين وقلق التربية اليومي إلى نوع آخر من العطاء الدافئ، المتمثل في المتابعة الحكيمة، والدعاء الدائم للأبناء بالاستقرار والتوفيق، مع شوق كبير للحظات المبهجة التي سيمتلئ فيها البيت مجدداً بضحكاتهم وضحكات الأحفاد إن شاء الله.
ومع ذلك “أحاول بكل ما أوتيتُ من أمومةٍ وصبر أن أعتاد هذا الصمت الجديد، وأقنع قلبي المشتاق بأن غياب صخبهم هو ضريبة فرحهم واستقرارهم. لكنني، وفي كل زاوية من هذا البيت الفارغ، أجد نفسي غريبة دونهم، ألمس جدران غرفهم وأتساءل كيف تفرّق ذلك الجمع الغالي فجأة! أجاهد كأم لتبدو ملامحي قوية ومتماسكة أمامهم، خلف كل ابتسامة أرسلها لهم في اتصالٍ أو لقاء، غصة حزنٍ عميقة لا يداريها إلّا الدمع؛ يسعدني أنهم يكبرون ويبنون حياتهم، لكن رحيلهم ترك في صدري فراغاً أعجز عن ملئه، وأحاول التعود.. لكن الحنين يغلبني في كل مرة.”
ومع ذلك، اقول لا ينبغي للآباء النظر إلى الغرف والمقاعد الخالية بنوع من الضيق، بل بنظرة فخر واعتزاز تؤكد أن البيت قد أدى أمانته ورسالته على أكمل وجه، وقدم للمجتمع أفراداً صالحين قادرين على بناء أسر جديدة، فالبيوت لا تفرغ من أبنائها ما دام الحب موصولاً والدعاء مستمراً، ليبقى الآباء دائماً هم السند والأصل الثابت الذي تستند عليه العائلة في حاضرها ومستقبلها مهما باعدت بينها المسافات.
المقال (1)
للتواصل : [email protected]



