كتاب الرأي

علامة استفهام واحدة كانت تكفي .. عندما يعجز المتقدم لوظيفة «منسق نقل» عن تسويق قيمته المهنية

    ✍️عائشه السبيعي – كاتبة رأي

تحدد الموعد، وأكد المتقدم للوظيفة حضوره، ويستعد لمقابلة عمل، سعيًا للفوز بفرصة طالما شغف بها. يراجع سيرته الذاتية، ويتأكد من تفاصيل المقابلة، ثم يدخل اللقاء مستعدًا للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بخبرته وتخصصه.

لكن المفارقة لم تكن في الحضور أو الالتزام بالموعد، بل في طبيعة الدور الذي جاء المتقدم ليمثله؛ فهو يتقدم لشغل وظيفة «منسق نقل»، وهي وظيفة تتطلب سرعة البديهة، وحسن التواصل، وترتيب الأولويات، والقدرة على التعامل مع المواقف الطارئة.

بدأت المقابلة، وكان المدير التنفيذي حاضرًا عبر الاتصال المرئي، بينما تواجد مسؤول الموارد البشرية (HR)في الغرفة.               

سار اللقاء بصورة طبيعية، إلى أن جاء السؤال:

«كيف تسوّق لنفسك؟»

تفاجأ المتقدم بالسؤال. لم يكن الإشكال في عدم امتلاكه الجواب الخبرة أو المهارات، وإنما في أنه لم يدرك في تلك اللحظة ما الذي تعنيه صيغة السؤال، وما الذي يبحث عنه المحاور من وراء الإجابة.

لم يستوعب أن المطلوب ليس تكرار ما هو مكتوب في سيرته الذاتية، ولا سرد مؤهلاته وخبراته، وإنما الانتقال إلى مستوى آخر من الحديث عن الذات:

ما القيمة التي يستطيع أن يقدمها؟ ولماذا يمكن أن يكون مناسبًا لهذا الدور؟

تجمعت الأفكار وتزاحمت، وفرضت رهبة الموقف شيئًا من الارتباك، فلم تسعفه الإجابة في تقديم نفسه بالصورة التي تعكس قدراته الحقيقية.

،ولاخفيكم القراء الأفاضل أنه 

إن الارتباك أثناء المقابلة الوظيفية ليس دليلاً على ضعف الكفاءة، بقدر ما هو انعكاسٌ لثقل اللحظة على المتقدم؛ فهو لا يواجه أسئلة اللجنة فحسب، بل يواجه خوفه الداخلي من فقدان الفرصة.              

وبينما يجيد البعض فن الحديث والتسويق الذاتي، يقع آخرون—رغم براعتهم الميدانية—في مصيدة التوتر التي تحجب معرفتهم الحقيقية وتصيب استجابتهم بالجمود.

وهنا تبرز المفارقة:

كيف يمكن لمنسق نقل يُفترض به أن يتعامل مع المتغيرات، ويرتب الأولويات، ويجد الحلول، أن يجد صعوبة في ترتيب أفكاره عندما يُطلب منه تقديم نفسه؟

المشكلة ليست في السؤال، ولا في طبيعة المقابلة، وإنما في أن كثيرًا من المتقدمين يستعدون للحديث عن سيرتهم الذاتية، دون أن يستعدوا لفهم ما الذي يريده المحاور منهم فعلًا.

بين التعريف بالنفس وتسويق الذات

عندما يُطلب من المتقدم أن يعرف بنفسه، فمن الطبيعي أن يذكر تخصصه ومؤهله وخبراته السابقة. لكن تسويق الذات يتجاوز سرد المعلومات إلى توضيح ما يمكن أن يقدمه للجهة التي يتقدم إليها.

فبدلًا من أن يقول:

«لدي خبرة في مجال النقل والتنسيق والمتابعة.»

يمكن أن تكون الإجابة أكثر ارتباطًا بالوظيفة:

«أمتلك خبرة في التنسيق والمتابعة والتعامل مع متغيرات عمليات النقل، وأستطيع ترتيب الأولويات والتواصل مع الأطراف المعنية للوصول إلى حلول سريعة والمحافظة على انسيابية العمل.»

الفرق أن الإجابة الثانية لا تكتفي بوصف الخبرة، بل تربطها باحتياج الوظيفة.

ماذا لو مُنحت دقيقة واحدة؟

من المفيد أن يسأل طالب الوظيفة نفسه قبل المقابلة:

لو مُنحت دقيقة واحدة فقط لإقناع المحاور بأنني الشخص المناسب، ماذا سأقول؟

الإجابة لا تحتاج إلى قائمة طويلة من الصفات، وإنما إلى رسالة واضحة تجيب عن ثلاثة أسئلة:

من أنا مهنيًا؟

ماذا أستطيع أن أقدم؟

وما الدليل على ذلك؟

وهنا تأتي أهمية الأمثلة الواقعية. 

فإذا كان المتقدم يقول إنه يجيد حل المشكلات، فمن الأفضل أن يذكر موقفًا واجه فيه مشكلة، وما الإجراء الذي اتخذه، وما النتيجة التي حققها.

ويمكن تنظيم هذه الإجابة باستخدام منهجية STAR:

لماذا يُعد هذا المنهج مهماً للمتقدم؟

يُساعد المتقدم الذي يعاني من التوتر والارتباك على تنظيم أفكاره وحمايته من التشتت أو الإطالة، حيث يمنحه خريطة ذهنية واضحة يُرتب بها إجابته لتبدو احترافية ومباشرة أمام لجنة المقابلة.

* الموقف (Situation): ماذا حدث؟

* المهمة (Task): ما المطلوب منك؟

* الإجراء (Action): ماذا فعلت؟

* النتيجة (Result): ماذا حققت؟

بهذه الطريقة تتحول المهارة من مجرد وصف إلى تجربة يمكن للمحاور تقييمها.

الاستعداد لا يعني حفظ الإجابات

لا يستطيع المتقدم توقع كل سؤال قد يُطرح عليه، ولذلك فإن حفظ إجابات جاهزة ليس أفضل وسيلة للاستعداد.

الأهم أن يعرف قصته المهنية جيدًا، وأن يراجع أبرز مواقفه وإنجازاته، وأن يفهم متطلبات الوظيفة التي يتقدم إليها.

وقبل المقابلة، من المفيد أن تكون لديه إجابات واضحة عن أربعة أمور:

1. ما خبرتي؟

2. ما المهارات التي أمتلكها وترتبط بالوظيف

3. ما المواقف التي تثبت هذه المهارات؟

4. ما الذي يمكنني إضافته إلى الفريق أو العمل؟

هذا النوع من الاستعداد يمنح المتقدم مساحة أكبر للتعامل مع الأسئلة غير المتوقعة دون الحاجة إلى إجابات محفوظة.

المقابلة… أكثر من مجرد أسئلة وأجوبة

المقابلة ليست فقط فرصة لصاحب العمل لتقييم المتقدم، وإنما هي أيضًا فرصة للمتقدم ليُظهر مهاراته من خلال طريقة حديثه وتصرفه.

وبالنسبة إلى وظيفة مثل «منسق النقل»، فإن الهدوء، وحسن التواصل، وترتيب الأفكار، وسرعة الاستجابة، وحسن التعامل مع المواقف الطارئة، كلها مهارات يمكن أن تظهر أثناء المقابلة نفسها.

قد يشعر المتقدم بالرهبة، وهذا أمر طبيعي، لكن المهم ألا تتحول الرهبة إلى ما يمنعه من إظهار قدراته.

يمكنه أن يأخذ لحظة لترتيب أفكاره، وأن يطلب توضيح السؤال إذا لزم الأمر، ثم يجيب بصورة مباشرة ويدعم حديثه بمثال واقعي.

وختامًا:

قد تكون علامة استفهام واحدة كافية لتكشف جانبًا مهمًا من استعداد طالب الوظيفة.

فالمحاور لا يبحث فقط عن شخص يمتلك المؤهل والخبرة، بل يريد أن يعرف: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يقدم؟ وكيف يمكن أن يكون إضافة إلى العمل؟

لذلك، قبل الذهاب إلى أي مقابلة، لا يكفي أن تعرف ما كتبته في سيرتك الذاتية.

الأهم أن تفهم القيمة التي تحملها هذه السيرة، وكيف تستطيع أن تنقلها بوضوح إلى من يجلس أمامك.

فالتسويق المهني للذات ليس مبالغة في وصف القدرات، ولا حديثًا إنشائيًا عن الطموح؛ بل هو معرفة قيمتك، وفهم ما يبحث عنه السؤال، وربط خبرتك باحتياجات الوظيفة، وتقديم دليل واضح على ما تستطيع أن تقدمه.

وهنا، ربما كانت علامة الاستفهام البسيطة أكثر من مجرد سؤال في مقابلة؛ كانت فرصة لاكتشاف الفرق بين من يعرف خبرته، ومن يعرف كيف يقدم قيمتها

[email protected]

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى