اثنتا عشرة سنة لنتعلّم القراءة!

✍️ د.علي عالي السعدوني – كاتب رأي :
في الدول التي أدركت مبكرًا أن التعليم ليس عددًا من السنوات يقضيها الطفل بين جدران المدرسة، ولا كتبًا يحملها في حقيبته كل صباح ثم يعيدها إلى المنزل كل مساء، ولا درجات مرتفعة تزين الشهادة وتمنح الأسرة شعورًا مؤقتًا بالرضا يقرأ الإنسان ليتعلم، ويبحث ليكتشف، ويسأل ليفهم، ويناقش ليختبر ما وصل إليه عقله، أما عندنا فما زلنا في بعض ممارساتنا التعليمية نقلب المعادلة رأسًا على عقب فبدل أن يتعلم الطفل القراءة في سنواته الأولى ليستخدمها بعد ذلك أداة للمعرفة يظل يتعلم القراءة والكتابة والفهم والتعبير سنوات طويلة حتى يصل إلى الجامعة فنكتشف أن بعض ما كان ينبغي أن يُحسم في المرحلة الابتدائية لا يزال ملفًا مفتوحًا في التعليم الجامعي.
اثنتا عشرة سنة يقضيها الطالب في التعليم العام آلاف الحصص، مئات الاختبارات، عشرات الكتب والمقررات، واجبات منزلية، أوراق عمل، أنشطة، منصات إلكترونية، تقارير أداء، خطط علاجية، خطط إثرائية، لجان واجتماعات ومؤشرات ثم يصل بعض الطلاب إلى أبواب الجامعة فيحتاجون إلى من يعلمهم كيف يكتبون فقرة مترابطة، وكيف يلخصون نصًا، وكيف يستخرجون فكرة، وكيف يفرقون بين الرأي والحقيقة، وكيف يقرؤون نصًا طويلًا دون أن يضيع المعنى بين السطور،ولذ يصبح السؤال أكثر إزعاجًا من الإجابة: ماذا فعلت كل تلك السنوات إذا كانت الجامعة ستبدأ من جديد في تعليم بعض المهارات التي كان يفترض أن تكون قد استقرت منذ سنوات؟
المشكلة أننا انشغلنا طويلًا بتعليم الطالب ماذا يقرأ، ولم ننشغل بالقدر نفسه بتعليمه كيف يقرأ قدمنا له النص ثم شرحناه له، ووضعنا السؤال ثم لمحنا له إلى الإجابة، وحددنا له الفكرة الرئيسة ثم طالبناه بحفظها، وأعطيناه النموذج ثم كافأناه حين أعاده إلينا كما أعطيناه حتى أصبح الطالب بارعًا في معرفة ما يريده الاختبار منه، لكنه قد يقف مرتبكًا أمام نص جديد لم يشرحه المعلم؛ لأننا دربناه على الإجابة أكثر مما دربناه على السؤال، وعلمناه كيف ينجح في الاختبار أكثر مما علمناه كيف ينجح في مواجهة المعرفة.
ولهذا أصبح لدينا أحيانًا طالب يحصل على درجة مرتفعة في اللغة العربية لكنه يعجز عن كتابة رسالة سليمة، ويحصل على درجة مرتفعة في القراءة لكنه لا يستطيع تلخيص مقال، ويحفظ قواعد النحو لكنه يتعثر حين يكتب فقرة من إنشائه، وينجح في اختبارات الفهم القرائي لكنه قد لا يستطيع أن يشرح لك بعد دقائق ماذا فهم من النص الذي قرأه، وفي هذا تظهر المشكلة الحقيقية؛لأن الدرجة حين تنفصل عن المهارة تتحول إلى رقم جميل يخفي خلفه حقيقة غير جميلة.
بل إن المفارقة تبلغ ذروتها حين يصل الطالب إلى الجامعة المؤسسة التي يفترض أنها تستقبل عقلًا جاهزًا للبحث والتحليل والمناقشة وإنتاج المعرفة، فإذا بها تضطر أحيانًا إلى تقديم برامج في مهارات القراءة والكتابة والتلخيص والبحث، وكأننا انتقلنا بمحو الأمية من المدرسة إلى الجامعة مع فارق أن الأمية الجديدة لم تعد عجز الإنسان عن فك الحروف، وإنما عجزه عن فك الأفكار، ولم تعد أن ينظر إلى الكلمة فلا يستطيع نطقها، وإنما أن ينطق صفحات كاملة ثم لا يستطيع أن يقول لك ماذا قرأ.
محو الأمية اليوم لم يعد تعليم الإنسان الأبجدية بل تعليمه ماذا يفعل بالأبجدية.
يمكن للإنسان أن يقرأ ألف كتاب ويبقى قارئًا، ويمكن لإنسان آخر أن يقرأ كتابًا واحدًا فتولد منه عشرات الأسئلة، والفرق بينهما أن الأول تعامل مع المعرفة بوصفها شيئًا يُستقبل، بينما تعامل الثاني معها بوصفها شيئًا يُناقش ويُفكك ويُعاد بناؤه، ولهذا نجد أن مفهوم الباحث في البيئات العلمية المتقدمة يرتبط بالسؤال الجديد الذي يطرحه، والمشكلة التي يحاول حلها، والإضافة التي يقدمها بينما قد يتحول مفهوم الباحث لدينا أحيانًا إلى شخص أتقن جمع المراجع وترتيب الهوامش وتكثير الصفحات حتى تصبح قيمة البحث مرتبطة بحجمه أكثر من ارتباطها بحجم الفكرة التي أضافها.
البحث ليس قراءة مجموعة كتب ثم إعادة توزيع أفكار أصحابها على فصول ومباحث، والباحث ليس قارئًا محترفًا يمتلك قدرة أعلى على النقل بل عقل يدخل إلى المعرفة بسؤال ويخرج منها بإجابة أو بسؤال أكثر عمقًا، وهذه الروح لا يمكن أن تظهر فجأة عند طالب الدراسات العليا؛ لأنها تبدأ منذ اللحظة التي يسمح فيها المعلم لطفل صغير بأن يقول: لماذا؟ ثم لا يعاقبه على السؤال، ولا يسخر من اختلافه، ولا يطالبه بأن تكون إجابته نسخة مطابقة لما ورد في الكتاب.
نحن بحاجة إلى مراجعة فلسفة التعليم قبل مراجعة صفحات الكتب؛ لأن تغيير الغلاف لا يغير العقل، وإضافة مقرر لا تصنع بالضرورة مهارة، وزيادة عدد الاختبارات لا تعني زيادة مقدار التعلم، ورفع متوسط الدرجات لا يعني أن متوسط المعرفة قد ارتفع، فالطالب الذي يحصل على تسعين في المئة ثم يعجز عن التعبير عن فكرة واحدة بلغة واضحة يحتاج نظامه التعليمي إلى أن يسأل نفسه عن معنى تلك التسعين قبل أن يحتفل بها.
التعليم الذي نحتاجه ليس تعليمًا يملأ ذاكرة الطفل بالمعلومات ثم يفرغها في ورقة الاختبار، وإنما تعليم يزعج عقله بالأسئلة، ويجعله يشك في الإجابة السهلة، ويطلب الدليل، ويقارن بين الآراء، ويكتشف الخطأ، ويعيد صياغة الفكرة، ويكتب بلغته، ويناقش بثقة، ويعرف أن الكتاب ليس نصًا مقدسًا لا يجوز الاقتراب منه بالسؤال، وإنما نافذة تفتح أمام العقل نافذة أخرى ثم ثالثة حتى تتحول القراءة من مهارة مدرسية إلى طريقة في التفكير.
ليس النجاح الحقيقي أن يتخرج الطالب من الثانوية وهو يستطيع قراءة الكلمات فهذا هدف متواضع جدًا بعد اثنتي عشرة سنة من التعليم النجاح أن يتخرج وهو يستطيع قراءة ما وراء الكلمات، وأن يعرف كيف يميز الحجة من الادعاء، والدليل من الانطباع، والحقيقة من التضليل، والمعرفة من غيرها، خاصة في زمن يستطيع فيه أي إنسان أن يحمل مكتبة العالم في هاتفه بينما تبقى المشكلة الكبرى: هل يحمل عقلًا يستطيع التعامل مع هذه المكتبة؟
نحن لسنا بحاجة إلى اثنتي عشرة سنة لنعلم الطفل كيف يقرأ؟ نحن بحاجة إلى أن نعلمه القراءة في سنواته الأولى ثم نستثمر بقية السنوات في تعليمه لماذا يقرأ وكيف يفكر فيما يقرأ، وكيف يعترض عليه، وكيف يختبره، وكيف يحوله إلى معرفة جديدة؛ لأن القراءة ليست نهاية التعليم وإنما بدايته، والكتابة ليست رسم الكلمات وإنما بناء الأفكار، والبحث ليس جمع المعلومات وإنما إنتاج المعرفة.
وحين يصل الطالب إلى الجامعة يجب ألا نسأله هل تستطيع القراءة والكتابة؟ فذلك سؤال تأخر طرحه أكثر من عشر سنوات بل ينبغي أن نسأله: ماذا صنعت بما قرأت؟، وما السؤال الذي أضافته المعرفة إلى عقلك؟، وما الفكرة التي تستطيع أن تقدمها ولم تكن موجودة أمامك جاهزة في الكتاب؟
هناك يقرأون ليتعلموا؛ لأن القراءة عندهم وسيلة تفتح أبواب المعرفة، وعندنا ما زلنا أحيانًا نتعلم لنقرأ ثم نصل إلى الجامعة لنكتشف أننا بحاجة إلى أن نتعلم كيف نفهم ما نقرأ، وبعد الجامعة ربما نحتاج إلى أن نتعلم كيف نفكر فيما فهمناه.
وفي هذا تكمن المشكلة، فالأمية الأخطر في عصر المعرفة ليست ألا تعرف كيف تقرأ، وإنما أن تقرأ طويلًا، وتدرس طويلًا، وتحمل شهادة طويلة ثم لا يولد في عقلك سؤال واحد جديد.



