برلمان كرة القدم السعودي بين تقليدية التمثيل ومأسسة الحوكمة.. قراءة تشريعية ونقدية في فجوات التأهيل واختلال الموازين التنظيمية

✍️ حسن المقصودي – كاتب رأي :
يمر المشهد الرياضي السعودي بتحولات بنيوية متسارعة تستهدف ترسيخ الاستدامة ومأسسة القطاع وفق مستهدفات رؤية المملكة ٢٠٣٠، إلا أن هذا الحراك اللوائحي الهائل يصطدم بعقبة تنظيمية حرجة في قمة الهرم التشريعي للعبة: الجمعية العمومية للاتحاد السعودي لكرة القدم. إن الفحص القانوني الحصيف للمادة (٢٢) من النظام الأساسي، والآليات الإجرائية المصاحبة لها، يكشف عن فجوة عميقة بين سرعة تدفق اللوائح التطويرية الملزمة وقصور الممكنات المعرفية المتاحة للأندية؛ مما أحال دور المندوب من مُشرّع ورقيب أصيل إلى مُصادق بروتوكولي، وعطل مبدأ الفصل المرن بين السلطات.
أولاً: تفكيك المأزق النظامي للمادة (٢٢) واختلال موازين الثقل التصويتي
إن تكييف المادة (٢٢) للتمثيل داخل الجمعية يمنح أندية دوري المحترفين (روشن) تمثيلاً كاملاً بنسبة ١٠٠٪، مقابل تمثيل مجتزأ ومتقلب لأندية الدرجات الأدنى عبر نظام المحاصصة الرقمية المرتبط بالترتيب الفني للموسم المنصرم. ومن منظور نقدي وقانوني دقيق، يجب التفريق هنا بين الصفة الاعتبارية للنادي والصفة الطبيعية للمندوب؛ فالأندية—بوصفها أشخاصاً اعتباريين—هي الأعضاء الدائمون في الجمعية، لكن الخلل يكمن في آلية التمثيل النسبي المجحف الذي يحرم كتل أندية الظل من ممارسة ثقل تصويتي يتناسب مع حجمها العددي. إن هذا التقلب السنوي لمندوبي الدرجات الأدنى يحرم المكون الأكبر في خارطة الكرة السعودية من صياغة تكتلات قانونية أو استراتيجيات تشريعية بعيدة المدى، ويحصر نفوذ توجيه السياسات المالية والقرارات الإستراتيجية في يد أندية النخبة، مما يكرس مركزية النفوذ ويغفل الاحتياجات التنظيمية لبقية الدرجات.
ثانياً: أزمة الأهلية المعرفية ومعضلة التفويض الشكلي
تكمن الفجوة التنظيمية الأكثر تأثيراً في خلو لوائح الاتحاد من معايير الأهلية المعرفية الإلزامية للمندوب المفوض. فالنظام الحالي يمنح مجالس إدارات الأندية سلطة تفويض ممثليها بناءً على المناصب الوجاهية أو الإدارية العامة، دون اشتراط حد أدنى من الإلمام بالأنظمة واللوائح الرياضية المحلية والدولية. ونتيجة لهذا الفراغ الإجرائي، غاب الوعي المتخصص بالحقوق والواجبات التشريعية؛ وحين تُعرض حزم تنظيمية بالغة التعقيد والأثر—مثل لوائح الامتثال المالي الصارمة أو تعديلات غرف فض المنازعات واللجان القضائية—يقع التصويت بالموافقة المطلقة دون نقاش موضوعي. إن غياب الأدوات القانونية لدى المندوب يمنعه من تفكيك النصوص واستقراء أبعادها الارتدادية، مما يفرز مخاطر بالغة تظهر لاحقاً في وقوع الأندية تحت طائلة عقوبات مالية أو إدارية قاسية نتيجة الموافقة على لوائح لم يستوعب ممثلوها آلياتها التنفيذية مسبقاً.
ثالثاً: غياب الحوكمة الإجرائية وبروتوكول التصويت المباغت
إن استصلاح هذا الوضع يتطلب إعادة هندسة البيئة الزمنية التي تُدار بها الاجتماعات، وتصحيح المفهوم الشائع حول مسار تدفق الحوكمة؛ فالأمر لا يتعلق بحوكمة عكسية من الأدنى للأعلى، بل بحوكمة أفقية تشاركية تفصل بين السلطة التشريعية العليا (الجمعية العمومية) والسلطة التنفيذية (مجلس إدارة الاتحاد). وتعاني الآلية الحالية من غياب المدد القانونية الكافية للمراجعة؛ إذ يُحظر منطقاً وقانوناً مطالبة الأعضاء بإبداء الرأي والمصادقة على أنظمة أساسية فضفاضة بناءً على استعراض خاطف داخل قاعة الانعقاد. هذا القصور الإجرائي يُفرغ الجمعية العمومية من قيمتها الدستورية، ويجعل الإدارات القانونية بالاتحاد منفرِدة بالصياغة والتشريع والتنفيذ، في ظل غياب ندّ قانوني مؤسسي يملك القدرة على الفحص والموازنة.
خارطة الاستصلاح التشريعي والتصويب التنظيمي
إن الانتقال بالرياضة السعودية نحو معايير الحوكمة الشاملة يستوجب تدخلاً تنظيمياً عاجلاً لإعادة صياغة الأنظمة الأساسية وفق ثلاثة مسارات حتمية:
-دسترة معايير الكفاءة المرافقة: تعديل شروط التفويض بفرض إلزامية مرافقة مستشار قانوني أو مالي معتمد لمندوب النادي، أو اشتراط اجتياز المندوب لبرنامج تأهيل المشرع الرياضي كمسوغ قانوني لممارسة حق التصويت، دون المساس بحق النادي الأصيل في اختيار ممثله السياسي وفقاً لأنظمة الاتحاد الدولي (FIFA).
-بروتوكول المهلة التنظيمية (مهلة الـ ٣٠ يوماً): إقرار نص ملزم يحظر طرح أي تعديل لوائحي للتصويت ما لم تُرسل مسودته الكاملة للأندية قبل (٣٠ يوماً) على الأقل من موعد الانعقاد، مع إلزام الأندية بتقديم مذكرة مرئيات مكتوبة ومسببة مسبقاً لتكون المناقشة مبنية على حجج قانونية مدروسة.
-مأسسة اللجان النوعية المستقلة: تأسيس لجنة مراجعة تشريعية منبثقة عن الجمعية العمومية تضم قانونيي الأندية وتتسم بالتمثيل المتوازن، لتتولى تنقيح ومطابقة اللوائح قبل عرضها للتصويت، بما يضمن تحول الجمعية من منصة للمصادقة التقليدية إلى برلمان رياضي فاعل يحمي مصالح أطراف المنظومة كافة بالتساوي.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



