حافظ الحكمي.. معلم رحل شابًا وبقي علمه

✍️ هشام حسن نتو – كاتب سعودي :
في يوم المعلم نستحضر أسماء رجال لم تكن مهمتهم نقل المعرفة فحسب، بل صناعة أجيال تحمل العلم من بعدهم. ومن بين أولئك يبرز الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي، رحمه الله، أحد علماء المملكة الذين ارتبطت سيرتهم بالتعليم والتأليف والدعوة، رغم أن حياته كانت قصيرة، فقد توفي وهو في الخامسة والثلاثين من عمره.
ولد حافظ بن أحمد بن علي الحكمي في قرية السلام بمنطقة جازان في الرابع والعشرين من رمضان عام ١٣٤٢هـ، ثم انتقلت أسرته إلى قرية الجاضع التابعة لصامطة. وكانت نشأته بعيدة عن مظاهر التعليم التي نعرفها اليوم؛ فقد عاش في بيئة ريفية، وكان يرعى أغنام والديه، لكنه أقبل منذ صغره على القرآن والعلم، فتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن في سن مبكرة.
ولعل في هذه البداية معنى يستحق أن نتوقف عنده في يوم المعلم؛ فالموهبة قد تولد في قرية صغيرة، وقد يبدأ طالب العلم حياته بين الرعي والعمل ومساعدة أسرته، لكن المعلم القادر على اكتشافها قد يغير مسارها بالكامل.
وكان لهذا المعنى شاهد واضح في حياة الحكمي حين التقى الشيخ عبدالله بن محمد القرعاوي، الذي رأى فيه النجابة والاستعداد للعلم، فاهتم بتعليمه وتوجيهه، حتى تفرغ الحكمي لطلب العلم، وأقبل عليه بجد واجتهاد، ليصبح بعد سنوات قليلة من أهل التعليم والتأليف. وهنا تظهر إحدى أعظم رسائل مهنة التعليم: أن المعلم لا يتعامل فقط مع مستوى الطالب الذي أمامه اليوم، وإنما قد يرى فيه ما يمكن أن يكون عليه غدًا.
ولم يحتفظ حافظ الحكمي بما تعلمه لنفسه، بل انتقل سريعًا من مقعد المتعلم إلى موقع المعلم. وتذكر ترجمته أنه عمل في التدريس في عدد من قرى ومدن المنطقة، ومنها بيش وصبيا وضمد والسلامة، وكان يجتمع عليه الطلاب للتعلم، قبل أن تتسع مسؤولياته التعليمية والإدارية.
وفي عام ١٣٧٤هـ تولى إدارة معهد صامطة العلمي، ولم تكن الإدارة عنده انفصالًا عن التعليم؛ إذ كان يقوم بأعمال الإدارة والتدريس، ويشرف كذلك على مدارس ومعلمين وطلاب في عدد من مناطق وقرى جازان. وهذه المرحلة من حياته تكشف أن أثر المعلم لا يقاس بعدد الحصص التي يقدمها، وإنما بما يبنيه من بيئة تعليمية وما يتركه في طلابه ومن يعملون معه.
ولم يكن التعليم عند الحكمي محصورًا في المجلس أو الفصل، فقد جعل من التأليف وسيلة أخرى للتعليم. ومن أشهر آثاره «سلم الوصول إلى علم الأصول»، وشرحه «معارج القبول»، و«أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة»، و«دليل أرباب الفلاح لتحقيق فن الاصطلاح»، و«اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون»، و«السبل السوية لفقه السنن المروية»، وغيرها من المؤلفات والمنظومات العلمية.
والمتأمل في جانب من مؤلفاته يجد ملمحًا تربويًا واضحًا؛ فقد استخدم النظم والتقسيم والشرح وتقريب المسائل، وهي أدوات تدل على اهتمامه بإيصال المعرفة إلى المتعلم، لا بمجرد جمعها. ومن الأمثلة البارزة «سلم الوصول»، وهي أرجوزة في التوحيد وصفت بأنها تمتاز بالسلاسة والوضوح والبعد عن التعقيد، ثم شرحها بنفسه في كتابه المعروف «معارج القبول».
وهنا تكمن قيمة تجربة حافظ الحكمي في يوم المعلم؛ فقد كان في يوم من الأيام طالبًا وجد من يكتشف قدرته ويأخذ بيده، ثم أصبح هو نفسه معلمًا يأخذ بأيدي الآخرين. إنها سلسلة العلم في أجمل صورها: معلم يصنع طالبًا، ثم يتحول الطالب إلى معلم، ثم يمتد علمه إلى أجيال لم تره ولم تجلس إليه.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في سيرته قصر عمره مقارنة بما تركه من أثر؛ فقد توفي في مكة المكرمة في الثامن عشر من ذي الحجة سنة ١٣٧٧هـ، بعد أن أدى مناسك الحج، وكان عمره خمسًا وثلاثين سنة، ودفن في مكة المكرمة.
خمسة وثلاثون عامًا فقط، لكنها كانت كافية لأن يكون طالبًا، ثم معلمًا، ومؤلفًا، ومديرًا لمعهد علمي، ومشرفًا على حركة تعليمية امتدت إلى عدد من القرى والمناطق.
وفي يوم المعلم، لا تبدو سيرة حافظ الحكمي مجرد صفحة من تاريخ علماء المملكة، بل تقدم درسًا في معنى التعليم نفسه. فالمعلم الحقيقي قد لا يعرف إلى أين سيصل الطالب الذي يجلس أمامه، ولا كم إنسانًا سينتفع يومًا بكلمة علمه إياها، لكنه حين يحسن اكتشاف الموهبة، ويغرس حب العلم، ويمنح الطالب ثقته ووقته، فإنه قد يبدأ أثرًا يمتد لعقود بعد رحيله.
رحم الله الشيخ حافظ الحكمي، ورحم معلمه الشيخ عبدالله القرعاوي، ورحم كل معلم جعل من علمه رسالة، ومن طلابه امتدادًا لأثره.
وفي يوم المعلم، تبقى أجمل هدية نقدمها للمعلم ألا نكتفي بشكره، بل أن نحفظ أثره، وأن ننقل ما تعلمناه منه إلى من يأتي بعدنا.
للتواصل : [email protected]



