الفنجان المليان

✍️خلف سرحان القرشي – كاتب سعودي :
أحيانًا لا تحتاج اللغة إلى كلمات.
يكفي أن تملأ فنجانًا أكثر مما ينبغي، وتضعه أمام العالم، ثم تصمت.
حدث الأمر كله تقريبًا بهذه البساطة.
رحلة جوية متجهة إلى تل أبيب اضطرت إلى الهبوط في مطار تبوك بسبب ظرف طارئ. حدث عابر كان يمكن أن ينتهي عند هذا الحد.
لكن الحكاية انتقلت إلى مكان آخر، حين كتب آفي كانر منشورًا على منصة «إكس»، دعا فيه الركاب إلى تجربة القهوة السعودية.
وجاء الرد من مغرد سعودي يدعى فهد، بطريقة لم تحتج إلى كثير كلام.
لا تعليق، ولا نقاش، ولا حتى كلمة واحدة.
فقط صورة فنجان قهوة.
وكان الفنجان مليانًا حتى الحافة.
وفهم الناس.
انتشرت الصورة انتشارًا واسعًا، وتجاوزت مشاهداتها الملايين. لم يكن السبب جمال الفنجان ولا القهوة. الذي انتشر في الحقيقة لم يكن صورة، بل معنى.
وهنا تحديدًا تكمن الحكاية. كيف يستطيع شيء صغير، كفنجان قهوة، أن يحمل كل هذا المعنى من دون أن ينطق صاحبه بكلمة؟
ربما لأن علاقتنا بالأشياء لم تكن يومًا علاقة بما نراه فقط. فمنذ أن بدأ الإنسان يعي العالم من حوله، وهو يمنح بعض الأشياء معنى يتجاوز صورتها ووظيفتها. رأى في النار أكثر من نار، وفي الشجرة أكثر من شجرة، وفي الشمس والقمر والحجر واللون إشارات تتجاوز أشكالها الأولى. وقبل أن تستقر الحروف على الورق، كانت الإشارة والصورة والرمز بعضًا من طرائق الإنسان في التعبير.
وما زلنا نفعل ذلك حتى اليوم. خاتم صغير قد يعني عهدًا، وراية تعني وطنًا، ووردة تختصر محبة، وكرسي فارغ يستحضر غائبًا.
الأشياء لا تتكلم بطبيعتها، نحن الذين نودع فيها أصواتنا.
والفنجان الذي ملأه فهد حتى الحافة لم يكن استثناء.
فنحن لا نشرب القهوة فقط، نحن نتحدث بها.
وللفنجان في موروثنا أسماء وحكايات ودلالات… ففناجين القهوة: الهيف، والضيف، والكيف، والسيف… قصة تستحق التوقف…
ف «الهيف» يشربه المضيف قبل ضيفه؛ يختبر به القهوة، وفي الموروث القديم يطمئن ضيفه إلى سلامتها وأن لا سم فيها. ثم يأتي «الضيف» عنوانًا للضيافة والممالحة، و«الكيف» للاستمتاع بالقهوة والمجلس، أما «السيف» فيحمل معنى أبعد؛ عهدًا ضمنيًا بالنصرة والوقوف مع صاحب المجلس عند الشدائد.
تأمل كل هذه اللغة، ولم تنطق كلمة واحدة.
المضيف يشرب فيطمئن الضيف، والضيف يشرب فيقبل الضيافة، ثم يشرب فنجانًا آخر لأنه استطاب القهوة والمجلس، وقد يصل إلى فنجان يحمل معنى العهد والنصرة.
فالفنجان في ثقافتنا لم يكن يومًا مجرد وعاء للقهوة. كان يقول، وكان الناس يفهمون.
وللقهوة عندنا لغة أخرى أيضًا: طريقة تقديم الدلة، واليد التي تستقبل الفنجان، وهزه عند الاكتفاء، ومقدار ما يصب فيه… تفاصيل صغيرة، لكنها ليست بلا معنى.
وفي بعض تقاليد الضيافة السعودية لا يملأ فنجان القهوة للضيف إلى حافته. يصب القليل، ثم يعود المضيف فيصب مرة أخرى. كأن المساحة الفارغة تقول إن للضيف فنجانًا آخر، ووقتًا أطول في المجلس.
ولهذا كان «الفنجان المليان» في تلك الصورة مختلفًا.
صحيح أن دلالات مقدار صب القهوة ليست واحدة في جميع مناطق المملكة وقبائلها، لكن السياق هذه المرة حسم الرسالة. فالرموز الثقافية لا تحتاج دائمًا إلى قاموس؛ أحيانًا يكون السياق هو القاموس.
كان يمكن لصاحب الصورة أن يكتب فقرة طويلة، وأن يبدأ سجالًا سياسيًا، وأن تتوالد التغريدات والردود.
لكنه لم يفعل.
ملأ الفنجان فقط.
وهنا أعادتني الحكاية إلى فكرة أحب الحديث عنها في الكتابة الإبداعية، ونتوقف عندها كثيرًا في ورشنا: المسكوت عنه.
ذلك الذي لا يكتبه الكاتب، لكنه يترك له مكانًا داخل النص.
في القصة الجيدة لا ينبغي أن نقول كل شيء. أحيانًا تكون الجملة التي حذفناها أقوى من الجملة التي أبقيناها، والصمت بين شخصيتين أبلغ من حوار طويل، والباب الذي يغلقه البطل ويمضي قد يقول عن غضبه أكثر مما تقوله صفحة كاملة.
ولعل من أكثر ما يرهق بعض النصوص خوف الكاتب من ألا يفهمه القارئ؛ فيشرح، ثم يشرح ما شرحه، حتى لا يترك للقارئ شيئًا يفعله سوى تلقي الكلمات.
وأنا أميل إلى الكتابة التي تثق بالقارئ. تترك له فراغًا صغيرًا يدخل منه، ومساحة يشارك فيها، وشيئًا لم يقل بعد.
وهذا بالضبط ما فعله صاحب الفنجان، وإن لم يكن يكتب قصة.
لم يقل ما يريد قوله صراحة، ولم يشرح عادات القهوة، ولم يضع تحت الصورة هامشًا يفسرها.
ملأ الفنجان حتى الحافة… وسكت.
والذين يعرفون، عرفوا.
ربما لهذا استوقفتني الحكاية أكثر من غيرها. رأيت فيها درسًا صغيرًا في الكتابة جاء هذه المرة من خارج الكتب وورش التدريب:
لا تقل كل ما تريد قوله.
اترك شيئًا للقارئ.
فالمسكوت عنه ليس نقصًا في النص.
أحيانًا يكون هو النص.
لقد أصبح العالم ثرثارًا بصورة مخيفة. الجميع يتحدث، والجميع يشرح. وإذا احتجنا إلى عشر كلمات قلنا مئة، وإذا احتجنا إلى صورة أضفنا إليها خطبة كاملة حتى نضمن أن الآخرين فهموا ما نريد.
ثم جاء فنجان قهوة صغير ليذكرنا ببلاغة قديمة جدًا: أن تقول الكثير بالقليل.
خرج الفنجان هذه المرة من المجلس إلى منصة رقمية، وسافر من تبوك إلى العالم، وظل يؤدي وظيفة قديمة عرفها الإنسان منذ زمن بعيد:
أن يجعل الأشياء تتكلم نيابة عنه.
كان يمكن للرجل أن يكتب تغريدة طويلة.
لكنه اختار فنجانًا.
ملأه حتى الحافة، ووضعه أمام العالم.
ثم ترك للصورة أن تقول ما يريد.
وفهم الناس.



