كتاب الرأي

قراءةٌ تأملية في التحرر من دائرة المنافسة

✍️أ. د. محمد بن شايع الشايع- كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :

الزمن يسير دون توقف، والمعطيات تهيىء وفق اقدارها، ونجاح الفرد مرتبط بالاستغادة من حسن ادارتها، وفي مسيرة الحياة تتشكل قناعات وأفكار تدفع كثيرًا من الناس إلى خوض معارك ليست معاركهم، والدخول في سباقات لم يختاروها لأنفسهم. فينشغل الإنسان بإثبات ذاته، ويقيس نجاحه بما حققه الآخرون، حتى يصبح أسيرًا للمقارنة، ويغفل عن حقيقة أن ليس كل سباق يستحق أن يُخاض.

فهناك سباقٌ خفيٌّ يرهق القلوب أكثر مما يرهق الأبدان، يبدأ بالمقارنة، ثم يتحول إلى منافسة، وينتهي غالبًا بعدم الرضا. وما أكثر من يعيشون هذا السباق وهم يظنون أنهم يقتربون من السعادة، بينما هم يبتعدون عنها خطوة بعد أخرى.

والتحرر من دائرة المنافسة لا يعني التخلي عن الطموح، ولا الرضا بالكسل، بل يعني تحرير القلب من هاجس إثبات الذات للناس. فلا يعود الإنسان مشغولًا بأن يكون الأجمل، أو الأغنى، أو الأكثر شهرة، وإنما ينشغل بأن يكون أقرب إلى الله، موفق في قراراته الفردية والجماعية، واكثر صدقاً مع نفسه، وأفضل مما كان عليه بالأمس.

ومن المهم أن نفرق بين التنافس الذي دعا إليه الإسلام، والمنافسة التي تستنزف الإنسان. فالتنافس المحمود هو ما كان في الخير والعلم والإحسان وإتقان العمل، كما قال تعالى: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾. أما المنافسة التي تُبنى على المقارنة والمباهاة، وإثبات الذات على حساب الآخرين، فهي طريق إلى القلق لا إلى النجاح، كالتباهي بالمال، والحفلات، والشخصية، والمنصب، وهي امور إن تحققت شكر الواهب، وإن فرت حمد المعطي وصبر الانسان واحتسب.

وفي سياق الفشل الشخصي ادارة المنافسة بطريقة فيها من المقارانات، مما يرفع وتيرة الخطورة حين تتحول المنافسة إلى منافسة غير شريفة، لا تقوم على الكفاءة والاستحقاق، بل على إقصاء الآخرين، وتقزيمهم، والاستخفاف بهم، والتقليل من إنجازاتهم، وتشويه نجاحهم، واحتكار الفرص، والسعي إلى الظهور بأي وسيلة. عندها لا يكون الانتصار ثمرة جدارة، بل نتيجة استنزاف للقيم والأخلاق، فيصبح نجاح الإنسان قائمًا على تعثر غيره، لا على ارتقائه هو، وتتحول المنافسة إلى معركة يخسر فيها الجميع، مهما بدا لبعضهم أنه انتصر.

إن أخطر ما تصنعه المقارنة أنها تُفسد نعمة الشكر والامتنان، فبدل أن يرى الإنسان ما بين يديه من فضل الله، يظل ينظر إلى ما في أيدي الآخرين. وعندها تصغر النعم في عينيه، ويكبر الشعور بالنقص، وإن كان يملك من الخيرات ما يتمناه غيره.

وقد علّمنا الإسلام أن التفاضل الحقيقي ليس في زخارف الدنيا، وإنما في صلاح القلوب والأعمال. فمن امتلأ قلبه يقينًا بعدل الله وحكمته، أدرك أن الأرزاق تُقسم بحكمة، وأن لكل إنسان نصيبه، وأن المقارنة لا تغيّر قدرًا، لكنها قد تسلب القلب سكينته.

ومن هنا، فإن أجمل تنافس يخوضه الإنسان هو تنافسه مع نفسه؛ أن يكون اليوم أكثر علمًا، وأحسن خلقًا، وأوسع أثرًا، وأقرب إلى ربه مما كان عليه بالأمس. فهذا هو التنافس الذي دعا إليه الشرع، لأنه يبني الإنسان، ويزكي النفس، ويثمر نموًا مستمرًا، دون أن يورث حسدًا أو ضغينة، أو يجعل نجاح الإنسان مرهونًا بتعثر غيره.

ولعل من أكثر الأخطاء التي لا نكتشفها إلا متأخرين أننا نهدر أعمارنا وطاقاتنا في معارك نفسية لا وجود لها إلا في أذهاننا، ونعيش أسرى لتوقعات الآخرين أكثر من عيشنا وفق قناعاتنا. فنستهلك الفكر والوقت والمشاعر في إثبات أمور لا تزيدنا قيمة، ولا تقربنا من غاية، بينما كان الأولى أن نستثمر تلك الطاقة في بناء الذات، وإتقان العمل، وتهذيب الروح.

وحين يتحرر القلب من دائرة المنافسة، يدخل دائرة الطمأنينة، فيرضى بما قسم الله له، ويشكر ما أُعطي، ويسعى فيما ينفعه، ويفرح لنجاح الآخرين كما يفرح لنفسه. وهناك يكتشف أن السعادة لا تولد من التفوق على الناس، بل من الرضا بالله، وحسن السعي، وسلامة القلب. فليست البطولة أن تسبق الآخرين، وإنما أن تنتصر على نفسك، وأن تمضي في طريقك مطمئنًا، لا تشغلك المقارنات، ولا تستعبدك المظاهر، ولا يحكم قيمتك إلا ميزان الحق والخير.

فالنفوس الكبيرة تصنع نجاحها بجهدها، وتفرح بنجاح غيرها كما تفرح بإنجازها، أما النفوس الصغيرة فلا ترى طريقًا إلى التميز إلا بتعثر الآخرين. وبين هذين الطريقين تتحدد قيمة الإنسان، ويولد سلامه الداخلي.

للتواصل : [email protected]ً 

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى