كتاب الرأي

﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ .. الأخ سند الحياة وعماد الظهر

        ✍️عائشة السبيعي – كاتبة سعودية

في ممرات الحياة ، والمليئة بالتحديات، يبحث الإنسان دائمًا عن جدارٍ صلب يستند إليه كلما أثقلته الأيام وأرهقته المسافات. ورغم كثرة المعارف والأصدقاء، يبقى هناك شخص يحمل مكانةً لا ينازعه فيها أحد؛ إنه الأخ، النعمة التي يولد الإنسان في كنفها، والسند الذي يقوى به الظهر، والدرع الذي يذود عنه في ساعات الشدة.

حينما كلّف الله سبحانه وتعالى: نبيه موسى عليه السلام بأعظم رسالة، وهي مواجهة طاغية عصره ودعوته إلى الحق، لم يطلب جندًا ولا مالًا، وإنما سأل ربه أن يجعل له معينًا من أهله، فقال تعالى:

﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي ۝ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ۝ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.

فجاء الجواب الإلهي الكريم يحمل من الطمأنينة ما يرسخ منزلة الأخ في حياة الإنسان:

﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾.

والعضد في اللغة موضع القوة، وشدُّ العضد كناية عن تثبيت الإنسان وتقويته. فكانت الآية إعلانًا خالدًا بأن الأخ من أعظم أسباب القوة التي يمنّ الله بها على عباده، وأن وجوده نعمة تُشد بها العزائم وتثبت بها الخطى أمام تقلبات الحياة.

وجاءت السنة النبوية لتؤكد قيمة التناصر والتآزر، فقال النبي ﷺ:

«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه.

وإن كان الحديث في عموم أخوة الإيمان، فإن الأخ الشقيق أولى الناس بتحقيق هذا المعنى؛ فهو أقرب الناس، وأشدهم مشاركةً في الأفراح والأتراح، وأحقهم بأن يكون عونًا وسندًا لأخيه.

فإذا ضعف أحدهما، سارع الآخر إلى تقويته، وإذا تعثر، امتدت إليه يد أخيه قبل أن تمتد إليه أيدي الغرباء.. ومع ذلك، فإن العلاقات بين الإخوة ليست صورةً واحدة، ولا تسير على وتيرة واحدة. فقد تكون العلاقة وثيقة مليئة بالمودة، وقد يغلب عليها شيء من الجفاء أو قلة التواصل، تبعًا لاختلاف الطباع، أو ظروف الحياة، أو تباعد الأماكن.

وليس كل إخوة يتبادلون الأسرار كل يوم، أو يجتمعون في كل مناسبة، لكن هذا لا ينفي قيمة الرابطة التي تجمعهم. فكثيرًا ما يكون الأخ قليل الكلام، بعيدًا في أيام الرخاء، لكنه أول من يقف حاضرًا إذا اشتدت الخطوب، وأول من يحمل عنك بعض همك إذا ضاقت بك الدنيا.

فليست الأخوة في كثرة اللقاءات، وإنما في صدق المواقف. وحين تهب العواصف، تتلاشى المسافات المصطنعة، ويظهر معدن الأخوة الصادق •• وقد أدرك العرب منذ القدم أن مواجهة الحياة بلا أخ مغامرة خاسرة، فقال الشاعر:

أخاكَ أخاكَ إنَّ مَنْ لا أخًا لَهُ

كَسَاعٍ إلى الهَيْجَا بغيرِ سِلاحِ

فالحياة بما فيها من ابتلاءات وصعوبات تشبه ميدانًا تتعدد فيه المعارك، والإنسان أحوج ما يكون إلى من يثبّت قلبه، ويقاسمه همومه، ويذكره بأنه ليس وحده في مواجهة الأيام.

خاتمة: ميثاق لا تضعفه الأيام

إن الأخوة ليست مجرد صلة تثبتها الوثائق، بل هي ميثاق من المودة والرحمة، وصحبة تبدأ منذ نعومة الأظفار، وقد تمتد آثارها إلى آخر العمر. وفي أكمل صورها، يكون الأخ ممن يفرح لفرح أخيه، ويحزن لحزنه، ويعينه على نوائب الدهر، ويستر عثراته، ويشد من أزره كلما ضعفت قواه.

فمن رزقه الله أخًا صالحًا، فقد رزقه نعمة عظيمة تستحق الشكر، ومن وجد بينه وبين أخيه جفوة، فليبادر إلى إصلاحها ما استطاع؛ فالأيام تمضي سريعًا، ولا يبقى للإنسان بعد توفيق الله إلا القلوب الصادقة التي تقف معه عند الشدائد.

وصدق وعد الله حين قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾؛ فهي آية تختصر معنى الأخوة كلها،

وختامآ ••

 كل الأخوان فيهم الخير، لكن (وليد )حينما أضع قوسين فأنا أخص واحد من أخواني بعينه ” هو المستثنى والأب والقلب الحنون ، والمكان الذي لا يشبهه فيه أحد. معه الكلام يخرج طبيعياً بلا زينة، والعطاء بيننا متبادل، ويزداد كلما اشتدت الحاجة، وإحساسه بي لا يخطئ أبداً. وحتى حين نبتعد، نجد أنفسنا نشعر ببعضنا في نفس التوقيت، فلا يحتاج أحدنا للآخر إلى إشعار، فالروح تصل للروح مهما كانت المسافة.”

[email protected]

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى