بين مطرقة الظروف وسندان النرجسية : رحلة أم لإنقاذ ابنتها في دهاليز العلاقات الإنسانية

✍️ فهد باسودان – كاتب سعودي :
تحدُث أحياناً انكسارات تجبر المرء على اتخاذ قرارات كأنها “تجرّع السمّ” لتفادي ما هو أشد مرارة. هذا تماماً ما يحدث عندما تجد امرأة نفسها في مواجهة شريك نرجسي؛ علاقة تُستنزف فيها الطاقة، وتنتهي غالباً بانفصال يترك خلفه ندوباً عميقة، وضغوطاً تدفع ثمنها الأطراف الأضعف.
التضحية الأولى: خيار الضرورة القاسي
تبدأ القصة بنهاية زواج متسرع لم يكتب له النجاح، أسفر عن طفلة بريئة. وتحت وطأة ظروف مادية خانقة وضيق ذات اليد بعد الطلاق، وجدت الأم نفسها أمام خيار لا تحسد عليه: إما الاستمرار في عجز مالي قد يحرم الطفلة من أساسيات الحياة، أو تسليم الحضانة قانونياً للأب القادر ماليّاً. كان قراراً اتخذته الأم بقلب ينزف؛ لم يكن تخلّياً، بل كان إيثاراً وتضحية لعلّ الطفلة تجد استقراراً لم تستطع الأم تقديمه في تلك اللحظة الحرجة.
جمرة القلق واشتعال الأزمة.
دارت الأيام، وتغيرت الأحوال المادية للأم نحو الأفضل واستعادت توازنها، لكن في المقابل، نبتت في بيت الأب أشواك جديدة. زواج الأب من امرأة أخرى، ودخول “تحريض زوجة الأب” على خط المواجهة، حوّل حياة الفتاة (التي بلغت الآن 13 عاماً) إلى جحيم من المعاملة السيئة، والإقصاء، وحتى الطرد خارج المنزل، مدفوعاً بطبيعة الأب النرجسية التي يسهل استثارتها وتوجيهها ضد ابنته لإرضاء زوجته الجديدة التي لا تريد الفتاة في بيتها.
أمام هذا الواقع المرير، اتخذت الأم المطلقة قراراً حاسماً: التضحية بحياتها الشخصية، وإغلاق باب الزواج نهائياً، وتكريس ما تبقى من عمرها ومستقبلها لإنقاذ ابنتها من هذا التعنيف.
خارطة الطريق: كيف نجد حلاً لهذه المشكلة؟
إنقاذ الفتاة وإعادتها لحضن أمها ليس مجرد أمنية عاطفية، بل هو مسار يتطلب خطوات عملية، قانونية، ونفسية مدروسة بدأت الأم في تطبيقها بالفعل:
1. المسار القانوني والقضائي (صوت الابنة الحاسم)
الوضع الحالي يخدم الأم بشكل كبير من الناحية القانونية لعدة أسباب جوهرية:
عمر البنت (13 سنة): في هذا السن (مرحلة المراهقة)، تمنح الأنظمة القضائية الحديثة والشريعة الإسلامية حق التخيير للمحصون. القاضي يجلس مع الفتاة ويسألها عن رغبتها في العيش مع أبيها أو أمها. وإذا اختارت الأم (وهو المؤكد بسبب سوء المعاملة)، فإن الكفة ترجح لصالح الأم فوراً.
إثبات الضرر وإسقاط الحضانة: زواج الأب ليس مسقطاً لحضانته تلقائياً، ولكن سوء المعاملة، والبيئة الطاردة، وإلحاق الضرر بالبنت هي مسقطات قطعية لحضانة الأب.
2. تفعيل دور المستندات الرسمية (سلاح الإثبات)
خطوة الأم بالاتصال بـ (حقوق الإنسان) و**(الحماية من العنف الأسري)** هي خطوة في غاية الذكاء والأهمية. والحل القانوني الآن يكمن في:
متابعة تلك البلاغات بجدية للحصول على خطابات أو تقارير رسمية تثبت واقعة الطرد وسوء المعاملة.
تقديم هذه التقارير والشكاوى الموثقة إلى القاضي في دعوى الحضانة المرفوعة حالياً كدليل ملموس على أن بيئة الأب أصبحت تشكل خطراً نفسياً وجسدياً على الفتاة.
3. الدعم النفسي والاحتواء السري
الفتاة في عمر 13 سنة تمر بمرحلة نمو حرجة، وتتعرض لضغط نفسي هائل يمارسه الأب النرجسي وزوجته. الحل هنا يتطلب:
أن تظل الأم على تواصل مستمر (ومستور إن لزم الأمر) مع ابنتها، لتبث في نفسها الطمأنينة وتؤكد لها أن الفرج قريب، مما يقوي عزيمة الفتاة ويثبت موقفها عندما تقف أمام القاضي لتطلب العيش مع والدتها.
خاتمة ..
إن قصة هذه الأم هي تجسيد حي لمعنى “الأمومة المقاتلة”. لقد سلمت ابنتها يوماً بدافع الحب والحرص، وها هي اليوم تحارب بكل قوتها لاستعادتها بذات الدافع وبنضوج أكبر. ومع وجود قضاء عادل ينظر لمصلحة المحضون بالدرجة الأولى، ووجود إثباتات لحالات العنف والطرد، فإن شمس العدالة ستشرق قريباً لتجتمع الأم بابنتها في بيت تسوده السكينة، بعيداً عن تقلبات النرجسية وسهام التحريض الكاذبة.



