كتاب الرأي

هوس الإنسان بقبول الآخرين

      ✍️ ناهد شما – كاتبة من الأردن 

ليس كل ما يرهق الإنسان في حياته هو الفشل، بل قد يكون الإرهاق الأكبر هو سعيه الدائم لأن يكون مقبولًا في أعين الجميع. فمنذ الصغر يتعلم الإنسان أن يبحث عن كلمات الإعجاب، ويخشى النقد، ويقيس قيمته بمدى رضا الآخرين عنه، حتى يتحول هذا السعي مع مرور الوقت إلى هوسٍ يستنزف راحته ويُفقده هويته.

إن محاولة إرضاء الجميع مهمة مستحيلة؛ فالناس يختلفون في أفكارهم وأذواقهم وقناعاتهم، وما يراه أحدهم صوابًا قد يراه الآخر خطأ. لذلك فإن جعل رضا الناس معيارًا للسعادة يعني أن يعيش الإنسان أسيرًا لتقلبات آرائهم، فيفرح بمديحهم، وينكسر بذمهم، وينسى أن قيمته الحقيقية لا يصنعها تصفيق الآخرين ولا تهدمها انتقاداتهم.

وليس المقصود هنا أن يتجاهل الإنسان النصيحة أو يرفض النقد البنّاء، بل أن يميز بين من ينصحه محبةً وإصلاحًا، وبين من ينتقده بدافع التقليل أو الحسد أو الاختلاف في الطباع. فالنقد الصادق طريق للنضج، أما الارتهان لآراء الجميع فهو طريق لفقدان الذات.

إن أكثر الناس راحة هم أولئك الذين تصالحوا مع أنفسهم، وعرفوا أن احترامهم لمبادئهم وأخلاقهم أهم من السعي وراء قبول لا يدوم. فهم يعاملون الجميع باحترام، لكنهم لا يتخلون عن قناعاتهم من أجل كسب الإعجاب، ولا يبدلون شخصياتهم مع كل رأي أو موقف.

لقد أصبح هوس القبول أكثر وضوحًا في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بات البعض يقيس نجاحه بعدد الإعجابات والمتابعين، وكأن قيمته الإنسانية أصبحت أرقامًا على شاشة. والحقيقة أن الإنسان قد يكون عظيمًا في أخلاقه وعطائه، حتى وإن لم يصفق له أحد.

فلنجعل معيارنا هو رضا الله أولًا، ثم احترام الذات، وحسن الخلق، والصدق في التعامل مع الناس. فمن عرف نفسه حق المعرفة، وعاش وفق مبادئه، لن يتوقف طويلًا عند أحكام الآخرين، وسيبقى ثابتًا مهما اختلفت الأصوات من حوله.

إن أجمل ما يملكه الإنسان ليس أن يحظى بقبول الجميع، بل أن يعيش صادقًا مع نفسه، نقيَّ الضمير، كريم الخلق، مؤمنًا بأن رضا الناس غاية لا تُدرك، أما سلام النفس فهو أعظم مكسب يمكن أن يحققه الإنسان في حياته.

[email protected]

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى