جيلٌ يُسرق من بين أيدينا

✍️ فاطمة الغامدي – كاتبة سعودية:
هل زرعنا في أبنائنا بذرةً قويةً صلبةً، قادرةً على مقاومة رياح الفتن مهما اشتدت؟ أم تركناها بلا رعاية حتى أصبحت عرضة لكل مؤثر؟
إن الأبناء ليسوا مشروعًا مؤقتًا ينتهي عند توفير الطعام والملبس والتعليم، بل هم أعظم استثمار في الدنيا، وأبقى أثر للإنسان بعد وفاته. فإذا أحسن الوالدان غرس القيم والإيمان والأخلاق، أثمرت تلك البذرة رجالًا ونساءً صالحين ينفعون أنفسهم وأمتهم، أما إذا أُهملت التربية، فلا يلومنّ الوالدان إلا أنفسهما.
لقد جعل الإسلام تربية الأبناء أمانة ومسؤولية، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالأب راعٍ في بيته، والأم راعية في بيتها، وكلاهما مسؤول أمام الله عن هذه الأمانة.
أيها الأب…
كم من أبٍ يعود من عمله مرهقًا، فيتناول طعامه ثم ينام، أو يقضي بقية يومه مع أصدقائه أو في الاستراحة، بينما أبناؤه يعيشون في عالم آخر لا يعرف عنه شيئًا. لا يعلم ماذا يشاهدون، ولا من يصاحبون، ولا ما الذي يملأ عقولهم وقلوبهم. ثم إذا أخطأ أحدهم، كان أول ما يفعله الصراخ والعقاب، دون أن يسأل نفسه: أين كنت عندما كان ابنك يحتاج إليك؟
وأيتها الأم…
كم من أمٍ أنهكها العمل أو انشغلت بالزيارات ووسائل التواصل، فأصبح الأبناء بين الخادمة، أو الأجهزة الذكية، أو الشاشات التي أصبحت تربي أكثر مما يربي الوالدان. ثم إذا ظهرت نتائج هذا الإهمال، قيل: “الزمن تغير، والتربية أصبحت صعبة.”
لكن الحقيقة أن التربية لم تصبح أصعب، بل أصبح الانشغال أكبر، وأصبحت المنافسة على عقول أبنائنا أشد من أي وقت مضى.
إن أبناءنا اليوم مستهدفون من كل اتجاه؛ من وسائل التواصل، والألعاب الإلكترونية، والمحتوى غير المنضبط، والثقافات الوافدة، والأفكار التي قد تهدم القيم بصمت. فإذا لم يكن البيت مصدرًا للهوية والإيمان والحوار، فسيبحث الأبناء عن بديل في أماكن قد لا تحفظ دينهم ولا أخلاقهم.
إن التربية ليست أوامر ونواهي فقط، بل هي وقتٌ يُمنح، وحوارٌ يُفتح، وقدوةٌ تُقتدى. يحتاج الابن إلى أبٍ يجلس معه، ويسمعه قبل أن ينصحه، ويحتضنه قبل أن يحاسبه. وتحتاج البنت إلى أمٍ تكون لها قدوةً وصديقةً وملجأً آمنًا.
علّموا أبناءكم قيمة الوقت، فقد قال النبي ﷺ: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». ازرعوا فيهم أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما يُنجز فيه من خير وعلم وعمل.
احترموا عقول أبنائكم، حتى وإن كانوا صغارًا. استمعوا إلى أسئلتهم، وناقشوا أفكارهم، واغرسوا فيهم الثقة بالنفس، لأن الطفل الذي يجد الاحترام في بيته، لن يبحث عن التقدير في أماكن قد تجره إلى الانحراف.
ولنتذكر جميعًا أن الأبناء لا يتذكرون حجم البيت، ولا ثمن السيارة، ولا عدد الهدايا، بل يتذكرون الوقت الذي قضاه والدهم معهم، والكلمات التي شجعتهم، والحنان الذي احتضنهم، والقدوة التي رسمت لهم طريق الحياة.
قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فما أعظمها من رسالة، وما أعظمها من مسؤولية؛ فصلاح الأبناء ليس مجرد نجاح تربوي، بل هو عمل يبقى أجره جاريًا بعد رحيل الإنسان.
فلنراجع أنفسنا قبل أن نشتكي من ضياع الجيل. ولنبدأ من بيوتنا قبل أن نلقي اللوم على المدارس أو المجتمع أو التقنية. فالمجتمع القوي يبدأ بأسرة واعية، والأسرة الواعية تبدأ بأبٍ حاضر، وأمٍ حاضرة، يجعلان من البيت مدرسةً للحب، والإيمان، والاحترام، والقيم.
فأولادنا ليسوا مستقبل الغد فحسب، بل هم أمانة اليوم، ومسؤولية العمر، وأثرنا الذي سيبقى بعد رحيلنا.
وقال الشاعر : يَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلَى مَا كَانَ وَالِدُهُ
إِنَّ الْعُرُوقَ عَلَيْهَا يَنْبُتُ الشَّجَرُ،



