كتاب الرأي

غابة الذئاب الأرملة السوداء

الفصل السابع .... " المدينة الغائمة "

سلسلة ” غابة الذئاب “

            ✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :


​مكتب مأمور السجن المركزي
​يجلس المأمور خلف مكتبه، ينظر إلى شهادة وفاة “الجد العقيد” وصورة “جوزيف”. يرن الهاتف، فيرفع المأمور السماعة.
​المأمور: سيدي العميد، مرحباً بك.
​العميد (عبر الهاتف): أهلاً أيها المأمور. هل أوراق وفاة “الجد” جاهزة؟ أريد إغلاق هذا الملف نهائياً.
​المأمور (يمسك بالشهادة): الأوراق مكتملة تماماً بين يدي، وتم تقييد الوفاة رسمياً.
​العميد: ممتاز. ماذا عن “جوزيف”؟ يجب أن يغادر السجن، فوجوده ليس ضرورياً بعد وفاة الجد العقيد، أريد إنهاء إجراءات خروجه رسمياً وبشكل قانوني صارم، دون ترك ثغرة واحدة وراءنا.
​المأمور: اطمئن يا سيدي، كل شيء يتم كإفراج رسمي معتاد. لن يكتشف أحد أن وجوده هنا كان ترتيباً سرياً بيننا لحراسة “الجد”، أو أن العقيد دفع مبلغاً ضخماً تأميناً لهذه الحماية داخل السجن. السر سيموت معنا ومع العقيد.
​العميد: هذا ما أريده تماماً. انتهت المهمة، وتأمن الجد حتى أنفاسه الأخيرة. أغلق الملف قانونياً واطوِ هذه الصفحة فوراً. (يغلق سماعة الهاتف).

​مدينة الأبراج
​اخترقت أشعة الشمس الصباحية زجاج السيارة الأسود المعتم، لتكشف عن ملامح فريد، قائد منظمة “القط الأسود”، وهو يراقب المبنى المحصن لعائلة العراب “آل السامر” عن بُعد.
​تحت ضوء النهار الواضح، بدا كبرياء العائلة مجروحاً؛ الحراس يطوقون المكان ببدلاتهم الرسمية السوداء ونظاراتهم القاتمة التي تعكس أشعة الشمس، وأيديهم قابضة بحذر على الأسلحة المثبتة على خصورهم. كانت ملامح الوجوم والحزن تخيم على الجميع.
​فريد (يهمس لنفسه وعيناه تلاحقان حركة الحراس): إذن… وفاة الجد العقيد حقيقة لا غبار عليها.. انظر إلى كبار زعماء المافيا، الحزن يكسر هيبتهم اليوم.
​السائق: (يعدل المرآة وهو يستمع لحديث فريد بصمت).
​فريد (يضيق عينيه ويكمل حديثه): آل السامر في صدمة.. لكن ما يقلقني ليس حزنهم، بل صمت الأرملة السوداء. غياب الجد أتاح لها الفرصة كاملة.. وأنا واثق أنها تعد لهم شيئاً كارثياً في الخفاء.
​السائق: هل ننتظر ما الذي سيحدث؟
​فريد (يشير بيده ببرود حازم): لا، ضوء النهار ليس حليفنا الآن. تحرك من هنا.. بهدوء ودون أن نلفت الأنظار.
​انطلقت السيارة بهدوء ممتزجة بحركة المرور الصباحية، مخلفة وراءها حصن آل السامر الذي يواجه أول أيام غياب العقيد تحت أشعة الشمس الحارقة.

​بدء المراسم
​وقف المُسامر على منصة خشبية صغيرة، ونظر إلى جميع الحضور، ثم أخذ نفساً عميقاً وقال:
​”أيها السادة… عائلة العراب، يُقال إن الإنسان لا يختار قدره، لكني اليوم أقف أمامكم لأروي كيف اختارني القدر لأكون ابناً لرجلين، وكيف يجلدني الفقد مرتين”.
​أخذ نفساً عميقاً مرة أخرى، ومشى خطوة بطيئة على المنصة وأكمل حديثه:
​”لقد نشأتُ غريباً هناك في المدينة الغائمة.. عشت طفولتي وشبابي مع عائلة بالتبني، عائلة السيد كوين التي منحتني اسماً وحياة، وظننت طويلاً أن تلك حدود عالمي. لكن الدماء لا تنسى مسارها، وشاءت الأقدار أن ألتقي به… بوالدي الحقيقي، الجد العقيد، خلف قضبان السجن”.
​لمعت عيناه وهو يسترجع الذكرى ويكمل:
​”في ذلك المكان المظلم حيث تولد العداوات، لم نكن مجرد سجينين؛ فقد اتُّهمت زوراً بأنني أنا من قتل أبي مارك كوين، ودخلت إلى السجن المركزي والتقيت بالعقيد ورجله الأمين جوزيف. وفّر لي الحماية بالرغم من أنني أستطيع حماية نفسي، فلقد نشأت على الصعاب والمعارك منذ أيام طفولتي لأنها لم تكن طفولة هادئة. لم أكن أعلم حينها أنني أحمل دم آل السامر، دم الذئب الأسود، وأن الرجل الذي منحني الحياة جالس على كرسيه المتحرك خلف الأسوار. ولد الرابط الحقيقي بيننا قبل أن تكشف لنا الأوراق صلة الدم”.
​التفت بكامله نحو التابوت، مشيراً إليه بيده:
​”وعندما خرجت إلى النور، عُدت إلى حضن آل السامر لأكون فرداً من منظمة الذئب الأسود وأكمل مسيرة والدي، لأستعيد مكاني الذي سُلب مني، ولأتعلم من هذا الرجل معنى الهيبة والصلابة التي تجري في عروقي”.
​نظر إلى وجوه الحاضرين من عائلة العراب، وتغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر عاطفية وصراحة:
​”المأساة يا سادة… ليست في الموت، فالموت حق، المأساة هي التكرار. بالأمس القريب، كنت أبكي والدي الذي تبناني ورباني في غياهب المدينة الغائمة، واليوم… أقف هنا لأفقد والدي الحقيقي. أقف بين ماضٍ تاه مني، وحاضرٍ يرحل أمامي. لقد خسرتُ السندين، وبقيتُ أنا… المُسامر، أحمل إرثهما معاً”.
​صمت المُسامر، وخيّم الهدوء على القاعة، انحنى قليلاً احتراماً للحضور، ثم وضع يده على التابوت للمرة الأخيرة، ونظر إلى الجميع قائلاً: “تفضلوا… ألقوا النظرة الأخيرة على فقيد آل السامر”.
​نهض السيد وارث ومعه السيد أسد ويتقدمان بخطوات بطيئة، وخلفهما السيد مؤيد والسيد قتادة، وبقية أفراد العائلة من رجال ونساء. اقترب رجلان من الحراس الأشداء، وبحركة بطيئة ومتزنة، بَدَآ في رفع الغطاء الثقيل للتابوت. مالت الرؤوس، واتسعت العيون ترقباً لوداع العقيد…
​انزاح الغطاء تماماً… وفجأة، توقف الزمن!
​تراجع الحارسان خطوة إلى الوراء بوجوه مذهولة، وانقطعت الأنفاس في القاعة، وتحول الحزن في ثانية واحدة إلى صدمة مروعة.
​التابوت… فارغ تماماً!
​لا وجود للجثمان. فقط الوسادة الحريرية البيضاء الملساء التي لم يلمسها جسد، وبطانتها الفاخرة التي تعكس ضوء الشموع وكأنها تسخر من الجميع. سادت القاعة لحظة من الذهول المطلق، صمت ثقيل لدرجة تسمح بسماع دقات الساعات، قبل أن ينفجر المكان بالهمسات والصرخات المكتومة.
​السيدة أنفال (بشهقة حادة، تتراجع للخلف وتضع يدها على فمها): “مستحيل!.. أين الجد؟!”
​ليليان (تنظر إلى البارون بعد أن نهضا من مقعديهما، وتقول بهمس): “كما توقعت أيها البارون”.
​أما “صقر” (رجل الأرملة السوداء)، فكادت عيناه تخرجان من مكانهما من هول ما يرى ويسمع.
​تقدم المُسامر ونظر إلى التابوت الفارغ، ثم التفت إلى جوزيف الذي كان لا يحرك ساكناً كالصنم، وقال له في حدة: “أين جثة أبي؟!”
​تحول المكان فوراً إلى ساحة من التوتر الملتهب.
​السيد وارث (بغضب): “جوزيف، هل تعبث بنا؟!”.
​جوزيف لا يرد على أي أسئلة تُوجّه إليه، وكأنه لا يسمع أصواتهم.
​هنا بدأت معركة أخرى، وهي البحث عن الميت المفقود… أين ذهبت جثته؟
اين هو الجد العقيد؟؟؟


للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى