كتاب الرأي

غابة الذئاب الأرملة السوداء

الفصل الخامس ... " مدينة الإبراج"

سلسلة ” غابة الذئاب “

     ✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :

​تشرق شمس الصباح الباكر وتتسلل خيوطها من خلال نافذة غرفة نوم المسامر، الذي كان يرتدي ملابسه استعداداً للخروج. سُمع صوت طرق على الباب، ثم دخل الطارق؛ كانت السيدة أنفال قائلة: “صباح الخير سيد سام”.
المسامر: “صباح الخير سيدة أنفال، هل أنتِ مستعدة للذهاب إلى المطار؟”
السيدة أنفال بنبرة حزينة: “نعم، أريد أن أكون من ضمن مستقبلي جثمان الجد العقيد”.
غلبتها دمعتها ونزلت على خدها، فاقترب منها المسامر ومسح دمعتها قائلاً: “هيا بنا”. ثم خرجا من الفيلا.
​شوارع مدينة الأبراج
​يتحرك أسطول من السيارات الفارهة السوداء القاتمة، بنوافذ معتمة تماماً تعكس أضواء الطريق الشاحبة. داخل كل سيارة يجلس فرد من أفراد منظمة آل العراب، ويترأس الموكب السيد وارث والسيد أسد. الوجوه جامدة والعيون خلف النظارات السوداء لا ترمش، والبدلات الرسمية تخفي تحتها ثقل السلاح وثقل المسؤولية. الصمت داخل الموكب ليس فراغاً، بل هو شحن جنائزي ينتظر الانفجار.
​تتوقف السيارات في تشكيل عسكري دقيق داخل ساحة المطار الخاص، وتُفتح الأبواب في لحظة واحدة وكأنها حركة ميكانيكية مبرمجة. يترجل الحرس من سياراتهم بأسلحتهم، يغلقون الأبواب بهدوء مهيب، ويقفون كأعمدة من الرخام الأسود.
​في منتصف الساحة الواسعة، وتحت أشعة الشمس، تقف السيدة أنفال -مدبرة منزل الجد العقيد- بجوار المسامر، لكنها اليوم تبدو كحارسة المعبد؛ ترتدي وشاحاً أسود يلف كتفيها، وتقف بصلابة لا تكسرها الرياح الباردة. كانت أول المتواجدين كأنها نبتت من أرض المطار، عيناها مثبتتان على الأفق حيث بدأت طائرة الشحن الخاصة تلوح من بعيد.
​أنفال تمسك بيد المسامر بقوة وبصوت خافت ونبرة حادة: “كن قوياً يا بني.. العقيد حتى بموته هيبته حاضرة”.
تلامس عجلات الطائرة المدرج، ويصدر عنها صرير الاحتكاك. يقترب الموكب من حافة المدرج، وتتراصف الأجساد خلف المسامر وأنفال في انتظار فتح بوابة قسم الشحن لخروج تابوت الجد العقيد.
​تُفتح البوابة ويخرج منها أربعة رجال يرتدون السواد وهم يحملون التابوت على أكتافهم بخطوات رصينة ثابتة، ويتقدمهم جوزيف الذي وقف أمام المسامر، فقال له المسامر: “جوزيف، هل رحل العقيد حقاً؟”
ينظر جوزيف إلى عيني المسامر بصمت، ثم قال بهدوء: “لقد أحبك كثيراً سيد سام”.
نظر المسامر إلى التابوت وتقدم إليه ببطء، ووضع يده عليه قائلاً: “لم أنعم بوجودك جواري، وها أنت ذا ترحل بصمت”.
​امتدت يد إلى كتف المسامر، فنظر إلى الخلف؛ فقد كانت يد السيد وارث الذي قال: “لا تحزن يا بني، إن أباك العقيد كان ذئباً تخشاه الذئاب، وأنت ستقود القطيع من بعده”.
أشار السيد أسد للحرس بوضع التابوت الذي يحمل جثمان الجد العقيد في سيارة نقل الجنائز.
​انطلق الموكب تتوسطه سيارة نقل الجنائز في منظر مهيب يقطع شوارع مدينة الأبراج متوجهاً إلى مقر آل العراب، حيث سيودع كل أفراد آل العراب الجد العقيد وينظرون إلى جثمانه للمرة الأخيرة قبل أن يُدفن في مقابر العائلة.

​المدينة الغائمة
​بين جدران قصر “البارون” العتيقة، كان الصمت يفرض هيبته داخل مكتبه الفخم، حيث امتزجت رائحة التبغ المعتق برائحة الأوراق القديمة.
يقف البارون خلف مكتبه ، مطلاً من النافذة الزجاجية الضخمة على حدائق القصر، وعيناه تحملان نظرة ثاقبة تختزل عقوداً من الصراعات والخطط المعقدة.
​يُفتح الباب بهدوء مفرط، وتدخل “ليليان”؛ تقدمت بخطوات واثقة ، ووقفت على مسافة محترمة منه منتظرة إشارته.
التفت البارون ببطء شديد، وشبك أصابعه خلف ظهره، ثم نظر إليها بنظرة حادة وبصوت رخيم هادئ: “ليليان.. ‘آل العراب’ استلموا تابوت الجد العقيد وسيقيمون جنازته بشكل يليق به”.
​ليليان (تخفض رأسها قليلاً كعلامة احترام، ونبرتها هادئة ومستقرة): “يبدو أنك تكن له كل الاحترام والتقدير برغم عداوتك معه”.
البارون: “نعم، هناك ماضٍ قديم يجمعني به”.
ضحك البارون ضحكة خافتة باردة، حملت في طياتها الكثير من السخرية والشك، ثم التقط سيجاراً فخماً وأخذ يقلبه بين أصابعه قائلاً:
“أزمة قلبية؟ العقيد الذي نجا أكثر من ثلاث مرات من الموت… يموت فجأة وبكل بساطة لأن قلبه توقف؟ لا يا ليليان، في عالمنا هذا العمالقة لا يسقطون بوعكة صحية عابرة”.
​ليليان (تضيق عيناها باهتمام): “هل مازلت تشك في الرواية الرسمية للمنظمة يا سيدي؟”
البارون (ينظر إليها بحدة، وتتحول نبرته إلى الجدية القاطعة): “أنا لا أشك فحسب، بل أنا على يقين أن هناك سراً دُفن خلف أبواب المستشفى الذي تم إسعافه إليه. قد يكون الجسد قد استسلم فعلاً، ولكن من الذي دفع به إلى الحافة؟ أو لعل الثعلب العجوز يملي فصلاً جديداً من فصول ألعابه السياسية ليرى من سيتحرك من جحره. في كلتا الحالتين، يجب أن أرى التابوت بعيني”.
​ليليان (تتقدم خطوة، وعيناها تشعان بالذكاء): “إذن، حضورنا لن يكون لمجرد تقديم واجب العزاء لـ ‘المسامر’ وآل العراب”.
البارون (يبتسم ابتسامة غامضة ويهز رأسه): “بالتأكيد لا. سنذهب لنتثبت من الحقيقة. أريد أن أقف أمام جسده، أنظر في وجوه وارث وأسد، وأراقب ردود أفعال ‘سام’. الجنازة هي المكان الوحيد الذي تضع فيه الذئاب أقنعة الحزن، لكن عيونها تفضح جوعها للسيطرة. أريدكِ أن تستعدي فوراً؛ ألغي كل المواعيد، وجهزي الطائرة الخاصة”.
​ليليان (ترفع حاجبيها بجدية): “إلى مدينة الأبراج إذن؟”
البارون (ينظر إلى الأفق الضبابي): “نعم، إلى قلب المعركة. اذهبي، وارتدي سواداً يليق بهيبة الموت… وهيبة الحقيقة التي سننتزعها من وسط العزاء. الطائرة يجب أن تقلع خلال ساعة”.
ليليان ( تتحول ملامحها الصارمة إلى طاعة تامة): “أمرك سيدي البارون. كل شيء سيكون جاهزاً”.
​استدارت ليليان وخرجت بخطوات سريعة ومنتظمة، بينما عاد البارون ليتطلع إلى غيوم المدينة، مدركاً أن هذه الرحلة قد تكشف عن الخيط الأول لأكبر مؤامرة تشهدها منظمة آل العراب.

​مدينة قمرة
​تجلس الأرملة السوداء على مقعد مخملي ضخم، ملامحها هادئة بشكل مخيف، وعيناها تشردان في الفراغ. يدخل صقر، رجلها المخلص، بخطوات ثابتة تظهر عليها علامات الجدية.
صقر يقف على مسافة محترمة، وينحني برأسه قليلاً: “سيدتي… لدي أخبار مؤكدة من قلب الحدث”.
الأرملة السوداء دون أن تلتفت إليه، وبنبرة صوت باردة ورخيمة: “تحدث يا صقر، ماذا هناك؟”
صقر: “المسامر وزعماء مافيا آل العراب قد استلموا تابوت جثمان الجد العقيد، والجثة الآن تحت حراستهم المشددة”.
​تخيم لحظة صمت ثقيلة في الغرفة، لا تظهر على وجه الأرملة السوداء أي علامات واضحة للحزن أو الفرح. ملامحها تبدو مبهمة تماماً كأنها قناع جامد، لكن نظرة عينيها تزداد عمقاً وغموضاً، وتتحرك أصابعها ببطء على مسند المقعد.
تمتمت الأرملة السوداء بنبرة غامضة: “استلموه إذن.. العقيد رحل؟! وترك خلفه المسامر يواجه العاصفة بمفرده”.
​صقر يراقب رد فعلها بحذر: “هل هناك أي أوامر جديدة يا سيدتي؟ الوضع في الخارج مناسب لنوجه ضربة جديدة وفي مدينتهم”.
تلتفت إليه الأرملة السوداء ببطء، وعيناها تحملان نظرة حاسمة: “اسمعني جيداً يا صقر، أريدك أن تجهز نفسك فوراً، ستغادر إلى مدينة الأبراج”.
صقر: “إلى معقلهم؟ ما هي المهمة هناك؟ هل آخذ معي بعض الرجال؟”
​الأرملة السوداء: “لا.. لا…. أريدك بمفردك أن تذهب. أريدك أن تكون عيني وأذني في قلب الحدث؛ اندس بين الحشود، راقب الترتيبات، وتغلغل في تفاصيل جنازة الجد العقيد. أريد أن أعرف كل صغيرة وكبيرة؛ من سيحضر، من سيغيب، وكيف يتصرف زعماء المافيا وهم يدفنون كبيرهم، والأهم من ذلك ردة فعل المسامر وهو في جنازة والده. ائتني بكل الأخبار ولا تفوت تفصيلاً واحداً”.
​صقر يضع يده على صدره علامة على الولاء المطلق: “اعتبري الأمر منتهياً يا سيدتي. سأكون هناك قبل أن تبدأ مراسم الدفن، ولن يخفى عني شيء”.
ينحني صقر وينسحب بخطوات سريعة وهادئة. تلتفت الأرملة السوداء مرة أخرى إلى النافذة، وتنظر إلى الأفق بعينين تشعان بالترقب، وهي تتنفس بعمق وكأنها تستعد للمعركة القادمة.

​يتبع…

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى