هل أصبحت المجاملات أكثر من الصدق؟

✍️وهيب شاهين – كاتب سعودي :
في كل مجتمع تبقى الكلمة أداة بناء أو هدم، فهي قادرة على أن ترفع الإنسان أو أن تضلله، وأن تمنحه الثقة أو تسلب منه فرصة التطور. ومن هنا يبرز تساؤل بات يتردد كثيرًا في حياتنا اليومية: هل أصبحت المجاملات أكثر من الصدق؟
المجاملة في أصلها خلق جميل، وهي وسيلة راقية للتعامل مع الآخرين، تقوم على احترام المشاعر وتقدير الأشخاص وعدم جرحهم بالكلمات القاسية. لكن المشكلة لا تكمن في المجاملة نفسها، بل في الإفراط فيها حتى تتحول إلى صورة أخرى من صور عدم الصراحة، أو إلى وسيلة لإخفاء الحقيقة وإرضاء الجميع على حساب الصدق.
في الماضي كان الإنسان يسمع الرأي الحقيقي ممن حوله، سواء أعجبه ذلك أم لم يعجبه، أما اليوم فقد أصبحت الكثير من العلاقات تُدار بمنطق المجاملة المستمرة. فكل عمل رائع، وكل فكرة مميزة، وكل مشروع ناجح، حتى وإن كانت النتائج تقول غير ذلك. وأصبح البعض يخشى إبداء رأيه الحقيقي خوفًا من أن يُفهم على أنه انتقاد أو تقليل من شأن الآخرين.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ازدادت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ. فكم من منشور أو عمل أو فكرة تحصد عبارات الإعجاب والثناء، بينما يفتقد صاحبها إلى الملاحظات الصادقة التي تساعده على التطور. وأصبح عدد الإعجابات والتعليقات الإيجابية أحيانًا معيارًا للنجاح، رغم أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالمجاملات بقدر ما يُقاس بالأثر والجودة والنتائج.
في الوسط الثقافي والفني والإعلامي تبدو هذه القضية أكثر وضوحًا. فكثير من المواهب تحتاج إلى التوجيه والنقد البنّاء، لكنها تجد نفسها محاطة بعبارات الإشادة فقط. وقد يظن صاحب العمل أنه بلغ مرحلة الإتقان، بينما هو في الحقيقة لا يزال بحاجة إلى التعلم والتطوير. وهنا تتحول المجاملة من دعم معنوي إلى عائق يمنع التقدم.
ولا يعني ذلك أن الصدق يجب أن يكون قاسيًا أو جارحًا، فالحقيقة يمكن أن تُقال بأدب واحترام. فالنقد البنّاء لا يهدف إلى التقليل من الآخرين، بل إلى مساعدتهم على رؤية ما لا يرونه بأنفسهم. كما أن الصراحة الحكيمة تختلف تمامًا عن التجريح أو السخرية أو الانتقاد الهدام.
إن المجتمع الذي تسوده المجاملات المفرطة يفقد تدريجيًا قدرته على التقييم الحقيقي، بينما المجتمع الذي يجمع بين الصدق والاحترام يخلق بيئة صحية للنمو والإبداع والتطور. فالإنسان يحتاج إلى من يشجعه، لكنه يحتاج أيضًا إلى من يخبره بالحقيقة عندما يخطئ أو يقصر.
ويبقى التوازن هو الحل. فلا نريد صراحة تجرح المشاعر، ولا مجاملات تخفي الحقائق. نريد كلمة صادقة تُقال بأسلوب راقٍ، ورأيًا واضحًا يُقدَّم بروح إيجابية، لأن الصدق حين يقترن بالأدب يصبح قيمة نبيلة، أما المجاملة حين تتجاوز حدودها فإنها تفقد معناها الحقيقي.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في كثرة المجاملات، بل في ندرة الصدق. فالكلمات الجميلة تسعدنا للحظات، أما الكلمات الصادقة فتصنع مستقبلًا أفضل. وبين هذا وذاك يبقى الإنسان الواعي هو من يقدّر الثناء الصادق، ويبحث عن الرأي الحقيقي الذي يساعده على أن يكون أفضل مما هو عليه اليوم.
وإذا كانت المجاملة تحفظ العلاقات، فإن الصدق يحفظ القيم، وما أجمل أن يجتمعا في كلمة واحدة تحمل الاحترام والحقيقة معًا .
للتواصل : [email protected]



