كتاب الرأي

الهيبة حين يصبح حضورك أقوى من كلامك

     ✍️سمسمه السعيد – كاتبة رأي :

في زمن أصبح فيه رفع الصوت وسيلة لإثبات القوة وكثرة الظهور طريقا للفت الأنظار أصبحت الهيبة الحقيقية أكثر ندرة وأكثر قيمة لأن الهيبة لا تصنعها الضوضاء ولا تحتاج إلى استعراض ولا تبحث عن اعتراف من أحد فالإنسان المهيب لا يدخل المكان ليخبر الجميع من يكون بل يدخل فتتحدث شخصيته عنه قبل أن ينطق بكلمة واحدة

الهيبة ليست مظهرا عابرا ولا نبرة صوت مرتفعة ولا منصبا يمنح صاحبه سلطة مؤقتة الهيبة الحقيقية تبدأ من الداخل من إنسان يعرف قدر نفسه ويحترم ذاته ويدرك أن قيمته لا تتوقف على إعجاب الآخرين به ولا على تصفيقهم له ولهذا لا يحتاج إلى المبالغة في الحديث عن نفسه ولا إلى الدخول في كل نقاش ولا إلى تحويل كل اختلاف إلى معركة لإثبات القوة

هناك أشخاص يلفتون الانتباه لأنهم يتحدثون كثيرا وهناك أشخاص يفرضون الاحترام لأنهم يعرفون متى يتحدثون ومتى يصمتون والفرق بين الاثنين كبير فالصوت المرتفع قد يفرض لحظة من الانتباه لكنه لا يصنع مكانة أما الهدوء الواثق فيصنع حضورا يستمر حتى بعد مغادرة صاحبه

والهيبة الحقيقية تظهر عندما يتعرض الإنسان للاستفزاز ويختار ألا يفقد اتزانه وعندما يملك القدرة على الرد القاسي لكنه يفضل الصمت لأنه يعرف أن بعض المعارك لا تستحق أن يخسر الإنسان هدوءه من أجلها فالقوة ليست أن تستطيع إيذاء الآخرين وإنما أن تستطيع السيطرة على نفسك عندما تكون قادرا على الرد

الإنسان المهيب لا يسمح لأحد أن يتجاوز حدوده لكنه في الوقت نفسه لا يحتاج إلى إهانة الآخرين حتى يحمي كرامته يعرف كيف يقول لا دون عدوان وكيف يرفض دون إساءة وكيف يبتعد دون ضجيج وكيف يغلق الباب عندما يصبح الاستمرار فيه انتقاصا من قيمته فالحدود الواضحة لا تصنع العداوة بل تصنع الاحترام

ومن أكثر علامات الهيبة أن يتوقف الإنسان عن شرح نفسه للجميع فليس كل من أساء فهمك يستحق تفسيرا وليس كل من حكم عليك يستحق أن تدخل معه في نقاش وليس كل كلمة قيلت عنك تحتاج إلى رد لأن الإنسان الذي يعرف نفسه جيدا لا يسمح لآراء الآخرين أن تتحول إلى محكمة دائمة يقف أمامها للدفاع عن ذاته

الهيبة أيضا أن تعرف قيمة وقتك فلا تمنحه لكل من يطلبه وقيمة حضورك فلا تجعله متاحا في كل مكان وقيمة كلمتك فلا تكثر من الوعود وقيمة علاقاتك فلا تتمسك بمن لا يقدرك فالإنسان الذي يحترم نفسه لا يطارد من اختار الرحيل ولا يتوسل الاهتمام ولا يجعل كرامته ثمنا لبقاء شخص في حياته

لكن الهيبة ليست قسوة وليست غرورا وليست تعاليا على الناس فالإنسان المهيب يستطيع أن يكون متواضعا دون أن يكون ضعيفا وأن يكون طيبا دون أن يكون ساذجا وأن يكون حازما دون أن يكون متجبرا لأن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى ظلم أحد حتى تثبت وجودها

وفي النهاية لا تصنع الهيبة الكلمات التي تقولها عن نفسك وإنما تصنعها المواقف التي يراها الناس منك فحين تكون كلمتك ثابتة وموقفك واضحا ووعودك صادقة وحدودك محترمة يصبح حضورك مختلفا ويصبح احترامك أمرا لا يحتاج إلى طلب

الهيبة الحقيقية ليست أن يخافك الناس بل أن يحترموك حتى عندما تختلف معهم وأن يعرفوا أنك شخص لا يتغير أمام الضغوط ولا يبيع مبادئه من أجل القبول ولا يركض خلف من لا يقدره ولا يسمح للغضب أن يتحكم في قراراته

اجعل حضورك هادئا وكلامك محسوبا ومواقفك واضحة ولا تحاول أن تثبت قوتك في كل لحظة لأن الإنسان الذي يملك القوة فعلا لا يحتاج إلى استعراضها فالذهب لا يحتاج إلى أن يصرخ كي يعرف الناس قيمته وكذلك الشخصية الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج كي تفرض احترامها

وفي عالم يزداد فيه الكلام وتقل فيه المواقف تبقى الهيبة لمن يعرف أن الصمت في وقته قوة وأن الانسحاب في وقته كرامة وأن الثبات وقت الشدة شخصية وأن احترام الآخرين لا يعني التنازل عن احترام الذات

فالهيبة في النهاية ليست شيئا ترتديه أمام الناس بل شخصية تبنيها في داخلك ومواقف تثبتها مع الأيام وحين تصل إلى هذه المرحلة لن تحتاج إلى أن تقول للناس إنك قوي لأنهم سيعرفون ذلك من طريقة حضورك ومن هدوئك ومن قراراتك ومن قدرتك على الرحيل دون ضجيج

الهيبة الحقيقية لا ترفع صوتها ولا تطلب الاعتراف ولا تركض خلف الانتباه إنها تدخل بهدوء وتترك أثرا لا يستطيع أحد تجاهله . 

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى