كتاب الرأي

الغد… ليس ملكاً لنا

      ✍️ عبدالخالق الزهراني -كاتب رأي :

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ۝ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

في كل مساء، يكتب أحدنا قائمة الغد.
موعد سيحضره، وعمل سينجزه، ورسالة سيرسلها، وحلم يقترب من تحقيقه.
ثم ينام،
وكأنه ضمن أن الشمس ستشرق عليه مرةً أخرى.

لسنا نفعل ذلك تكبراً، بل لأن الإنسان بطبيعته يعيش على الأمل، ويخطط لما هو آتٍ، ويبني أيامه على ما يظنه قريباً.
لكن المشكلة تبدأ حين ينسى أن الغد ليس حقاً مكتسباً، بل فضل يؤتيه الله لمن يشاء.
ولهذا لم ينهنا القرآن عن التخطيط، وإنما نهانا عن أن نتحدث عن المستقبل وكأنه ملك بأيدينا.
فبين إرادة الإنسان، ومشيئة الله، مساحة لا يملؤها إلا التسليم.

ومن أجمل الشواهد على ذلك، ما جاء في خبر يأجوج ومأجوج.
كانوا يحفرون السد يوماً بعد يوم، حتى إذا أوشكوا على اختراقه، قالوا نعود غداً.
فيعودون، فيجدونه كما كان، وكأن جهدهم قد مُحي كله.
ويتكرر المشهد مرة بعد أخرى.
الجهد هو الجهد.
والمحاولة هي المحاولة.
لكن النتيجة لم تكن يوماً رهينة الأسباب وحدها.
حتى إذا جاء الوعد الذي كتبه الله، قال الذي عليهم

«سنعود غداً إن شاء الله»

فعادوا، فوجدوا السد كما تركوه، وأتموا ما كانوا يسعون إليه.
لم تزد قوتهم.
ولم تتبدل أدواتهم.
ولم يتغير فيهم شيء
إلا أنهم ردوا الأمر إلى مشيئة الله.

وليس المقصود من هذه القصة أن كلمة ( إن شاء الله ) وحدها تصنع النتائج، فالإسلام دين عمل وأخذ بالأسباب، ولكنه يعلم الإنسان ألا يغتر بأسبابه، وألا يظن أن خططه تكفي وحدها لصناعة المستقبل.
فكم من إنسان أحكم التدبير، ثم حالت مشيئة الله بينه وبين ما أراد.
وكم من آخر، ضاقت في وجهه السبل كلها، ثم فتح الله له باباً لم يخطر على بال.
وهذا هو الفرق بين من يعتمد على خطته، ومن يعتمد على ربه.
الأول إذا تعطلت أسبابه، تعطلت طمأنينته.
أما الثاني، فإذا تعثرت خطاه، بقي قلبه ثابتاً، لأنه يعلم أن الذي أغلق باباً، قادر أن يفتح أبواباً لم تكن في الحسبان.

إن أعظم ما تمنحه (إن شاء الله) للإنسان، ليس تحقق الأمنيات، بل سكينة القلب.
فإن نجح، حمد الله.
وإن تأخر، أحسن الظن بالله.
وإن تبدلت الطرق، لم ينكسر، لأنه يعلم أن اختيار الله أبقى من اختياره، وأن تدبير الله أرحم من تدبيره لنفسه.

فنحن لا نعيش بين الأمس والغد كما نظن
بل نعيش بين سعي أمرنا به
ومشيئة لا يقع في هذا الكون شيء إلا بها.

ولذلك، لا تجعل «إن شاء الله» كلمة تتم بها حديثك، بل يقيناً يبدأ به قلبك، فمن عرف أن الأمر كله لله، هان عليه انتظار الغد، لأنه يعلم أن ما اختاره الله له، خير مما كان سيختاره لنفسه.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى