سيأتي دوره

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة رأي :
ليس أصعب ما في الظلم أن يُؤخذ منك حق، ولكن في أن تُجبر على مشاهدة من ظلمك وهو يمضي في حياته كأن شيئًا لم يحدث، تنام وأنت تحمل أسئلتك معك على الوسادة :لماذا حدث هذا لي؟لماذا نجح من ظلمني؟لماذا تأخر العدل؟ ولماذا يبدو أحيانًا أن الحياة تكافئ من آذانا، وتتركنا وحدنا في الجهة الأخرى من الحكاية؟ لكننا ننسى، ونحن في منتصف الألم، أن الحياة لا تُكتب في مشهد واحد.
قد ترى الظالم منتصرًا لأنك تنظر في صفحة واحدة من كتابه ، بينما الله يرى الكتاب كله، الظلم يعلّم الإنسان شيئًا لا يتعلمه في أيام الراحة: أن ليس كل شيء يُحل في وقته الذي نريده، هناك أشياء لا يأتي جوابها سريعًا، وحقوق لا تعود في اللحظة التي نبكي فيها عليها، وأبواب يغلقها الله فترة طويلة قبل أن نفهم لماذا كان إغلاقها رحمة.
ولهذا فإن الصبر ليس أن تقف مكتوف اليدين أمام الظلم، ولا أن تقبل الأذى، ولا أن تتنازل عن حقك،الصبر هو ألا تسمح للظلم أن يحوّلك إلى نسخة أخرى من الظالم، أن تأخذ حقك إن إستطعت، دون أن تفقد نفسك، أن تضع حدودك، دون أن تملأ قلبك بالكراهية.أن تمضي في حياتك، دون أن تجعل الشخص الذي آذاك يسكن فيك أكثر مما ينبغي فبعض الناس لا يكتفون بأن يظلموك مرة، ولكن أن يستمرون في ظلمك كل يوم لأنك تستمر في حملهم داخل ذاكرتك.
ولعل أصعب أنواع الصبر أن تصبر دون أن ترى النتيجة، أن تؤمن أن الله سيعيد الأشياء إلى مواضعها، بينما الواقع أمامك يقول عكس ذلك، أن ترفع يديك بالدعاء، ثم تعود إلى حياتك دون أن تعرف متى سيأتي الفرج،هنا تحديدًا يصبح الإيمان أعمق من مجرد إنتظار النتيجة، فأنت لا تصبر لأنك متأكد من أن الحياة ستنتقم لك بالطريقة التي تتخيلها، وإنما تصبر لأنك مؤمن أن الله لا يضيع حقًا، ولا يخفى عليه وجع، ولا تغيب عنه دمعة خرجت من قلب مقهور.
وقد يأتي العدل بطريقة لا تشبه توقعاتك، ربما لا ترى سقوط من ظلمك وربما لا تسمع منه اعتذارًا، وربما لا يعود إليك ما فقدته بالصورة نفسها، لكن قد يمنحك الله شيئًا أكبر: أن يخرج الظلم من داخلك، وأن تستعيد نفسك، وأن تصبح أقوى وأهدأ وأكثر بصيرة أحيانًا يكون الانتصار الحقيقي ألا يعود الشخص الذي ظلمك قادرًا على تحديد شكل حياتك.
والدنيا بالفعل دوّارة، لكن دورانها ليس دائمًا بالصورة التي نتخيلها، من ظن أن القوة ستبقى في يده، سيتعلم يومًا أن القوة عابرة، ومن اعتقد أن مكانته تحميه من الأيام، سيكتشف أن الأيام لا تحفظ لأحد مكانه، ومن أوجع قلبًا، قد يجد نفسه يومًا في المكان الذي كان يظن أنه لن يقف فيه.هذه ليست دعوة للتشفي، فالتشفي يُبقيك مربوطًا بمن ظلمك، إنما هي تذكرة بأن الأيام لا تثبت لأحد.
ما تراه اليوم ليس بالضرورة ما سيكون غدًا، والإنسان الذي يمشي في الحياة متكئًا على قوته، قد يأتي يوم يبحث فيه عن شيء صغير من الرحمة التي بخل بها على الآخرين، لهذا لا تستعجل دوران الدنيا ،دعها تدور،فالأشياء حين تُترك لله، تصل إلى مواضعها بطريقة أكثر حكمة مما نستطيع تدبيرها بأنفسنا.
أيها المظلوم…
لا تجعل الظلم يقنعك أنك قليل القيمة، ليس لأن أحدهم أساء إليك يعني أنك تستحق الإساءة، وليس لأن أحدهم لم يرَ قيمتك يعني أنها غير موجودة، وليس لأن بابًا أُغلق في وجهك يعني أن الطريق انتهى، هناك أشخاص يخرجون من حياتنا وهم يظنون أنهم أخذوا منا كل شيء، بينما الحقيقة أنهم أخذوا نسخة قديمة منا فقط، أما نحن، فنخرج من التجربة بشيء لم يكن لدينا من قبل:
بصيرة، نتعلم أن نختار بعناية، وأن نضع الحدود، وأن نعرف متى نغادر، وأن ندرك أن طيبة القلب لا تعني غياب الوعي، فالظلم، مهما كان قاسيًا، يمكن أن يصبح معلمًا.ليس لأن الألم جميل، بل لأن الإنسان قادر على أن يحوّل بعض جراحه إلى حكمة.
اصبر…
لكن لا تنتظر سقوط من ظلمك كي تبدأ حياتك،اصبر، لكن لا تؤجل سعادتك حتى يأتي الاعتذار،اصبر، لكن لا تجعل الدعاء مجرد انتظار لعقوبة الآخر.
قل: يا رب، خذ لي حقي، واشفِ قلبي، وأخرجني من هذه التجربة أقوى لا أكثر قسوة.
فربما كان أجمل ما سيحدث لك ليس أن ترى من ظلمك يُعاقب، وإنما أن تصل أنت إلى مكان لا يعود فيه ما فعله قادرًا على إيذائك،هناك لحظة في حياة المظلوم يدرك فيها أن القضية لم تعد: ماذا سيفعل الله بمن ظلمني؟
بل تصبح:ماذا سيفعل الله لي بعد كل هذا الألم؟وقد تكون الإجابة أجمل مما توقعت، قد يمنحك حياة لا تحتاج فيها إلى ذلك الشخص، وقلبًا لا ينتظر منه شيئًا.وطمأنينة لا تعتمد على اعتذاره، وطريقًا جديدًا يجعلك تفهم أخيرًا لماذا كان عليك أن تمر من ذلك الباب المغلق.
لا تستعجل العدل ، وما نراه تأخرًا قد يكون ترتيبًا،وما نظنه خسارة قد يكون إنقاذًا، وما نحسبه نهاية قد يكون بداية لحياة لم نكن نملك الشجاعة لنختارها بأنفسنا، لذلك، إذا ظلمك أحدهم، فلا تمنحه ظلمًا ثانيًا، الأول فعله هو بك، والثاني تفعله أنت بنفسك حين تسمح للغضب أن يأكل أعوامك القادمة، اترك ما لا تستطيع تغييره لله، خذ حقك بالطرق التي تستطيعها، احفظ كرامتك، امضِ، واصبر، فالدنيا لا تستقر على حال، والقلوب تتبدل، والأيام تدور، والحق وإن تأخر لا يضيع عند الله.
ولعل أجمل إنتصار للمظلوم أن يأتي يوم يلتفت فيه إلى الوراء، فلا يجد في قلبه رغبة في الانتقام، لأنه اكتشف أن الله لم يكن يؤخر حقه بل كان ينقذه من أن يصبح أسيرًا له.
إصبر.
ليس لأن الظلم هين، بل لأنك أكبر من أن تجعل ظلم الآخرين يحدد بقية حياتك،، فالليل مهما طال لا يصبح نهارًا، والعدل قد يتأخر لكنه لا ينسى الطريق.
للتواصل : [email protected]



