النور الزائد يُعمي

✍️عائشة الفارسية – سلطنة عمان :
في مقولة لبنانية تقول: «النور الزيادة بيعمي» ويُقصد بها ألّا نحاول معرفة ما يحدث خلفنا، وألّا ندور ونبحث في أشياء مخفية عنا؛ لأن ذلك قد يُخسرنا الكثير، وهناك أيضًا مقولة تطابقها تقول: «الشيء الزائد عن حدّه ينقلب ضدّه»، وهي عبارات تحذيرية من المبالغة والإفراط، وهما من العبارات التي راقت لي واشتد إعجابي بهما؛ لأنهما تعبّران عما يحدث في الكثير من المجتمعات ومع العديد من الأشخاص، فالبعض يأخذ في البحث والتنقيب في الخفايا والتفاصيل الدقيقة والصغيرة التي أحيانًا تصدمنا إن عرفناها، والأفضل أن تظل في الخفاء كي لا ننصدم بها وبما فيها.
أي لا ندقق في كل شيء ولا نبحث عمّا أُخفي عنا؛ فقد يحزننا ما سنعرفه، وقد يضيّق علينا، أو يمنع عنا خيرًا قادمًا، أو يُخسرنا أناسًا كنا نحبهم ونرى فيهم كل شيء جميل، ولكن مع البحث والتفتيش خلفهم، والتدقيق في الأشياء الصغيرة، خسرناهم، وقد أوصى الله سبحانه وتعالى المؤمنين ونهَاهم عن ذلك بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة: 101)، وهذا النهي كافٍ لأن لا ندقق ولا نبحث في شؤون وعيوب الغير ولا نُرهق أنفسنا في تتبّع صغائر الأمور وتحليل كل شيء، والبحث والتحقق مما أخفاه الله عنا لحكمةٍ هو أعلم بها، وغالبًا ما تكون في مصلحتنا؛ فالله أعلم بها منا، وأنا مع هذه المقولة وأؤيدها بقوة؛ فعلينا أن نغضّ أبصارنا عمّا نشعر أنه سيتعبنا، وسيجعلنا نبحث أكثر فأكثر في أعراض غيرنا، ولن نستفيد شيئًا سوى التعب وإرهاق عقولنا.
فلنُرح أنفسنا وأفكارنا، ولنبتعد عمّا خفي عنا، فلعل في خفائه صلاحًا لنا، فليس كل ما نودّ معرفته يُريح قلوبنا… فبعض الأشياء أجمل لو بقيت مجهولة.
للتواصل : [email protected]



