كتاب الرأي

تتحجّم التهديدات وتفشل المخططات أمام نداء الوطن وأدوار المواطن

✍️أ. د . محمد شايع الشايع – كاتب وأكاديمي بجامعة الملك سعود :

الإنتماء للأوطان صفة اعتبارية مشاعرية، وهوية عميقة ثمل ايمان الإنسان بالبقاء، والعاقل من يعلم دوره ومسئوليته تجاه وطنه، خاصة حين يكون الوطن في موضع التحدي، لا تكون المواطنة مجرد مشاعر تُقال، ولا شعارات تُرفع، بل موقف يُمارس، ومسؤولية تُؤدى، ووعي يحفظ أمن البلاد ويصون مكتسباتها، وفي اللحظات التي تتعالى فيها التهديدات وتتحرك فيها المخططات، يظهر معدن الأوطان الحقيقي، قيادة واعية تعرف مسؤوليتها، وشعب متماسك يعرف واجبه، ودولة تستند إلى مؤسسات راسخة، وعدالة تحفظ الحقوق وتصون المجتمع.

إن المملكة العربية السعودية ليست وطنًا وليد ظرف عابر، بل كيان تأسس على جمع الشمل وتوحيد الكلمة، وأرسى دعائمه المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، الذي جمع شتات البلاد ووحد كلمتها، وأقام دولة جعلت الأمن والاستقرار والعدل أساسًا لبنائها، ثم حمل أبناؤه وأحفاده الراية من بعده، فواصلوا مسيرة البناء والتنمية، وأصبح الوطن اليوم بما يملكه من مكانة وقدرات وإنجازات، نموذجًا في الاستقرار والطموح والتنمية.

ومن وعي قادة هذا الوطن وإدراكهم أن الحكم مسؤولية وأمانة، أن أصبح لقب خادم الحرمين الشريفين عنوانًا للقيادة، وهو معنى يتجاوز التشريف إلى التكليف، ويجسد أن خدمة الوطن ورعاية الإنسان وخدمة الحرمين شرف ومسؤولية، وليست منزلة يتعالى بها صاحبها على شعبه، وهذه دلالة عميقة على طبيعة العلاقة بين القيادة والمواطن، علاقة مسؤولية وثقة وبيعة ووفاء.

وفي مثل هذه الظروف، لا ينبغي للتهديدات أن تصنع الخوف في نفوسنا، ولا للمخططات أن تربك ثقتنا، فالوطن الذي تأسس على التوحيد، واستند إلى مؤسسات راسخة، وتعزز بالعدل، وتلاحم قيادته مع شعبه، قادر بإذن الله على تجاوز التحديات، وما يخططه المعتدون لن يكون أقوى من إرادة وطن، ولا من توفيق الله وحفظه، فكم من مخطط أُعد بليل، فأبطله الله، وكم من كيد ظُن أنه محكم، فجعل الله عاقبته على أصحابه.

ومن هنا تبدأ أدوار المواطن، فالوطن لا يحتاج منا في أوقات التحدي إلى مزيد من الجدل، بقدر حاجته إلى الوعي والانضباط والسكينة، والتوقف عن النقد غير المبرر، وتأجيل الخلافات، والابتعاد عن التنابز والاختلاف الذي يضعف اللحمة، واحترام كل نظام وتعليمات تصدرها الجهات المختصة، فالنظام ليس قيدًا على المواطن، بل حماية له، وحفظ لحقوقه، وصيانة لأمن مجتمعه.

وتتسع مسؤولية المواطن لتشمل الكلمة والمعلومة، فلا تصوير للمواقع الحساسة، ولا تحديد لأماكن الأحداث، ولا نشر لتحركات الجهات الأمنية، ولا تداول لمعلومات غير موثوقة، لأن ما قد يراه البعض سبقًا إعلاميًا أو حماسًا عابرًا، قد يتحول إلى معلومة يستفيد منها من يتربص بالوطن، والوعي الحقيقي أن نعرف ما ينبغي أن نقوله، وما ينبغي أن نصمت عنه، وأن نترك للجهات المختصة مسؤولية ما يتعلق بالأمن والمعلومات.

ومن الحكمة كذلك عدم الدخول في مناكفات مع الحسابات المجهولة، فالمجهول اختار لنفسه أن يبقى مجهولًا، وغالبًا ما يكون هدفه صناعة الجدل واستنزاف الوعي وإثارة الانقسام، وأفضل رد عليه ألا نمنحه ما يبحث عنه، فلا نعيد نشره، ولا نشتبك معه، ولا نمنحه قيمة أكبر من حجمه، بل نستقي أخبارنا من مصادرها الرسمية، ونترك للجهات المختصة التعامل مع ما يستوجب التعامل.

وفي المقابل، نحن بحاجة إلى القدوة الصالحة، الأب في أسرته، والمعلم في مدرسته، والمسؤول في موقعه، والإعلامي في طرحه، والمؤثر في حسابه، والموظف في عمله، والطالب في دراسته، وكل مواطن في محيطه، فكل واحد منا سفير لوطنه، والكلمة نحن سفراؤها، والسلوك عنواننا، والاحترام صورة من صور الوطنية، وخدمة الوطن مسؤولية لا ترتبط بمسمى وظيفي ولا بمكانة اجتماعية.

وللوطن علينا كذلك أن نحفظ لحمته، وأن ندرك أن اختلاف الآراء لا يفسد وحدة القلوب، وأن النقد حين يكون مسؤولًا وبنّاء له موضعه وأدواته، أما في أوقات التحديات، فإن إشاعة الطمأنينة وتعزيز الثقة بالمؤسسات، والبعد عن التشكيك والتجريح والتنابز، أولى وأحفظ للمصلحة العامة، فالأوطان لا تقوى بالفرقة، وإنما تقوى حين يجتمع أبناؤها على ما يوحدهم، ويحترمون أنظمتها، ويضعون مصلحتها فوق خلافاتهم.

ويبقى الدعاء في جوف الليل من أعظم صور الوفاء، ندعو للمؤسس الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، الذي جمع الشمل ووحد الوطن، وأرسى دعائم هذا الكيان، وندعو لأبنائه وأحفاده الذين حملوا الراية من بعده، وواصلوا مسيرة البناء والتنمية، ونسأل الله أن يحفظ قيادتنا، وأن يسددها، وأن يحفظ جنودنا ورجال أمننا، وأن يديم على بلادنا أمنها واستقرارها.

وندعو كذلك لهذا الوطن الذي لم يكن مجرد أرض نعيش عليها، بل وطن هيأ لنا التعليم، وفتح أبواب الابتعاث، وأتاح فرص العمل والتطور والرقي، وبنى الجامعات والمؤسسات، وحقق التنمية، وجعل جودة الحياة هدفًا، وأعطى أبناءه فرصًا واسعة ليكونوا شركاء في صناعة مستقبله، ومن الوفاء أن ندرك حجم هذه النعمة، وأن نشكر الله عليها، وأن نحافظ عليها، وأن نرد الجميل بالعمل والإخلاص.

فنحن لسنا أصحاب فضل على الوطن، بل الوطن هو صاحب الفضل علينا بعد الله، هو الذي احتضننا، وأمننا، وعلمنا، وفتح لنا أبواب المستقبل، ولذلك نحن خدامه في مواقعنا ومسؤولياتنا، دون منة أو فضل، نخدمه لأن خدمته شرف، ونحمل اسمه لأن الانتماء إليه عز، ونكون سفراء له بأخلاقنا وكلماتنا وأفعالنا، ونحافظ على صورته ومكانته في كل موقع نكون فيه.

لقد ضحى الأجداد من أجل وحدة الوطن، وضحى الآباء من أجل تنميته، وجاء دور جيلنا ليحافظ على أمنه واستقراره ومكتسباته، وليصنع مستقبلًا أفضل لأبنائه، وهذه مسؤولية لا تخص فئة دون أخرى، بل هي مسؤولية الجميع، كبيرًا وصغيرًا، رجلًا وامرأة، مسؤولًا ومواطنًا، كل في موقعه، وكل بحسب قدرته.

إن التهديدات مهما تعاظمت تتحجم أمام وعي وطن، والمخططات مهما أحكمت تفشل أمام تماسك شعب، وعدالة حكم، وقيادة واعية، وأسباب تؤخذ، ودعوات صادقة ترفع في جوف الليل، دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام، ودعوات الصالحين والصالحات، ويقين المؤمن بأن تدبير الله فوق كل تدبير.

ولذلك فإن نداء الوطن اليوم ليس نداء للخوف، بل نداء للمسؤولية، وليس دعوة إلى الصمت عن الحق، بل دعوة إلى الحكمة في القول، وليس طلبًا للتنازل عن الرأي، بل تقديمًا لمصلحة الوطن في وقت تحتاج فيه الأوطان إلى وحدة الصف، فكل كلمة مسؤولة، وكل التزام بنظام، وكل امتناع عن نشر معلومة حساسة، وكل تجاهل لحساب مجهول، وكل موقف يجمع ولا يفرق، وكل دعاء في جوف الليل، هو في حقيقته مشاركة في حماية الوطن.

اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، واحفظ قيادتها وشعبها، واحفظ جنودها ورجال أمنها، وأدم عليها نعمة الأمن والإيمان والاستقرار، ورد عنها كيد المعتدين، وأبطل كل مخطط يستهدف أمنها ووحدتها، وبارك في وطن جمع شمله المؤسس، وحمل أمانته من بعده أبناؤه وأحفاده، واجعل هذا الوطن آمنًا مطمئنًا، عزيزًا شامخًا، ورايته خفاقة، وأدم عليه نعمك ظاهرها وباطنها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى