كتاب الرأي

(الحياة بميزان جناح بعوضة

    ✍️ أروىٰ مسلط العتيبي – كاتبة سعودية :

في غمرة الركض اليومي وتزاحم الالتزامات وتسارع أنفاس الحياة نجد أنفسنا أحيانًا نقف عند عتبات الضيق لأسباب شتى ككلمة عابرة جرحت كبرياءنا أو موقف عابر خذل تطلعاتنا أو حظ دنيوي تعثر في منتصف الطريق فتضيق بنا الأرض بما رحبت ويعلو الران على قلوبنا فنسمح لغبار المعارك الصغيرة أن يعكر صفو نفوسنا ويزرع الجفاء بيننا وبين من نحب ولكن لو تنفسنا الصعداء قليلًا وأعدنا ضبط بوصلة الرؤية بميزان الوحي لوجدنا أننا نمنح الأشياء أكبر من حجمها الحقيقي بكثير إذ اختصر النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة هذه الدار بأبلغ تصوير وأعمق دلالة حين قال «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»
وتأمل هذا التشبيه المعجز فلم يقل جناح طائر كاسر ولا ريشة ملونة بل اختار جناح بعوضة ذاك المخلوق الضئيل المستقذر الذي لا يزن شيئًا ولا يلتفت إليه أحد بل إن الجناح وحده جزء من كل لا قيمة له وهذه هي الدنيا بأسرها بكل بريقها وجاهها وصراعاتها وأموالها وسلطانها لا تزن عند الخالق جناح بعوضة وإذا كانت هذه قيمتها عند من خلقها فكيف نرتضي لأنفسنا أن تكون هي المقياس الذي نزن به سعادتنا وسلامنا الداخلي إن من عمق الغبن الإنساني أن نترك دارًا بهذه الضعة تفسد علينا صفو قلوبنا فحين نغضب ونحقد ونبيت ليلنا والأرق يأكل من أرواحنا بسبب مكاسب دنيوية فائتة أو خصومات تافهة فإننا في الحقيقة نضخم الوهم ونمنح جناح البعوضة ثقلاً كالجبال في موازين أيامنا ولا شيء في هذه الحياة يستحق أن نضحي لأجله بسلامنا النفسي أو أن نبيع في سبيله طمأنينة قلوبنا فكل كدر تفرضه الدنيا علينا هو كدر عابر في دار عابرة والذكي هو من يعبر فوق الأشواك دون أن يلتفت لها مستحضرًا دائمًا أنها دار ممر لا دار مقر
والأشد مرارة من تعكير الصفو هو أن نمد حبال الجفاء بيننا وبين أحبابنا لأجل عرض من الدنيا زائل فكم من بيوت تقاطعت وأرحام تباعدت وقلوب كانت كجسد واحد فرّقتها أمور مادية أو سوء تفاهم على حطام فان وإن أحبابنا وأهلنا وأصدقاءنا ومن تشد أرواحنا بوجودهم هم النعمة الحقيقية والزخرف الصادق في هذه الرحلة وهم الذين يمنحون الأيام دفقها الدافئ فكيف نهجرهم أو نفتر عن مودتهم أو نترك حواجز الصمت ترتفع بيننا وبينهم لأجل دنيا لا تساوي عند الله شيء إن خسارة صديق مخلص أو ابتعاد قريب أو جرح قلب محب ثمن باهظ جدًا لا يمكن لجناح البعوضة أن يدق ميزانه أو يعوض خسارته
إن العيش بوعي هذه الحقيقة ليس دعوة للكسل أو العزلة بل هو دعوة للسمو والترفع وتذكرة بأن نجعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا فحين تضيق بك الحياة أو يحزنك تعامل أحدهم أو تشعر بالخذلان التفت إلى السماء واهمس لنفسك بأنها أهون من جناح بعوضة وعندها سينقشع الضباب عن عينيك وتعود الأشياء إلى حجمها الطبيعي القزم وتدرك أن الصفو مع الله والمودة مع عباده ونقاء السيرة والسريرة هي المكاسب الوحيدة التي تستحق أن نحيا ونقاتل لأجلها .

للتواصل: [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى