حين يصبحُ البيتُ غريبًا عن ساكنيه

✍🏾سلوى علي الأنصاري – كاتبة سعودية :
في سِفرِ اللغةِ العربية هو مُبتدأُ الخير، وخبرُ الطمأنينة؛ هو الجملةُ التي تستقيمُ بها المعاني، وتنتظمُ بها الحياة.
فإن صلحَ مُبتدؤه، استقامَ خبره، وإن اختلَّ نظمه، اضطربت أركانه.
هو فعلُ الأمانِ إذا أُسنِد، واسمُ الحنانِ إذا عُرِف، وحرفُ وصلٍ إذا تباعدت القلوبُ فاجتمعَ به الشَّمل.
في قاموسِ الأسرة هو ليس لفظًا عابرًا؛ بل نصٌّ حيٌّ تُشكِّله الأرواح، وتُعرِبهُ المشاعر، وتضبطُهُ موازينُ الودّ والرحمة.
فإذا رُفِعَ بالحبِّ سَمَا، وإذا نُصِبَ بالجفاءِ انحنى، وإذا جُرَّ بالصمتِ فنا.
إنه البيت الذي لا تشيّده الحجارة، بل تبنيه القلوب ،تثبّت أركانه المودّة، ويخرج من نوافذه اضواء المحبة .
إن صلح أهله، نمى بين أركانه الوداد، وإن فترت أرواحهم، غدا مأوى بلا عتاد ، ومكانا يسكن ولا يؤنس به ولا يرتاح بين جنباته الفؤاد .
الاغترابُ فيه ليس سفرًا دائمًا؛ فقد يسكن الإنسانُ بيتهُ بجسده ويغيبُ عنه بروحه.
يجلسُ بين أهله كغريبٍ يُجيدُ أداءَ الأدوار ، وارتداء الأقنعة مع كل الصعاب .
هناك حيثُ تتسلّلُ القسوةُ في هيئةِ صمت، وتختبئُ المسافاتُ الشاسعة خلفَ جدرانٍ متقاربة، يبدأ التآكلُ البطيء للعلاقة دون ضجيجٍ ، ودون انهيار يُرى.
تبدأ الحكايةُ بتفاصيلَ صغيرة، كلمةٌ لم تُقَل، اعتذارٌ أُجِّل، واهتمامٌ أُهمل، ثم تتراكمُ حتى تُشيِّدَ جدارًا خفيًّا بين القلوب، فيتحوّلُ الحديثُ إلى واجب، والابتسامةُ إلى مجاملة، ويغدو الصمتُ اللغةَ الأصدق، والخلاص من كل المشاعر المتأججة في الدواخل، حتى وإن كان ذلك أشدَّها قسوة، فهو ما يرمم ذلك الانكسار ،ويقرب المسافات ويحد من الشعور بالغربة.
وقد قيل : الدار ليست بالبناء جميلةٌ، إن الديار جميلةٌ بذويها”
وحين يغيبُ الحوار، تتكاثرُ الظنون، ويكبرُ سوءُ الفهم حتى يغدو حقيقةً لا تُناقَش. فيبتعدُ الابنُ؛ لا لأن الطريقَ أبعده، بل لأن قلبه لم يجد من يُصغي إليه. وتنسحبُ الأم؛ لا لأن الحبَّ انطفأ، بل لأنّ التعبَ انهك روحها. ويصمتُ الأبُ؛ لا لأنّهُ لا يشعر، بل لأنّهُ لم يجد لغةً تُفصح عن ضعفه المستتر.
وهنا تتجلّى الغربةُ في أقسى صورها: أن تُحاطَ بمن تحب، ولا تجدُ من يراك حقًّا. أن تتحدّثَ فلا تُسمَع، أو تُسمَع فلا تُفهَم، فتلوذُ بالصمت هروبًا من خيباتِ الإصغاء.
وقد جاء في الأثر: (ربَّ قريبٍ أبعدُ من غريب)
فالقربُ وحده لا يصنعُ دفئًا، ما لم تُسندهُ قلوبٌ حيّة.
ولعلّ أشدَّ ما يُؤلمُ في هذا الاغتراب أنّهُ لا يُرى بيتٌ قائم وأفرادٌ مجتمعون وهدوءٌ يُشبه الاستقرار لأن الصمتُ قد ابتلع كلَّ شيء.
ونرى ذلك جليًا في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾؛ فالمودّةُ روحُ البيوت، إن غابت صار القربُ مجرّدَ حضورٍ بلا حياة.
في خضم هذا الاغتراب يعتادُ الإنسانُ على البرود، ويُقنِعُ نفسه أنّ الأمور “طبيعية”، إلى ان يخفتَ بداخله الحنين، ويستسلمَ لبيتٍ لم يعُد يشبهه.
غير أنّ البيوتَ لا تموتُ فجأة، بل تُتركُ لتبرد، وما أفسدهُ الصمتُ قد تُصلحهُ كلمة، وما فرّقتهُ القلوبُ قد تجمعهُ لحظةُ اعتراف بمشاعر محرقة .
فهل لي بسؤال ايها القارئ ،هل نحتاجُ إلى معجزةٍ لنُعيد الدفءَ إلى بيوتنا؟ أم إلى شجاعةٍ بسيطة نقول فيها ما نشعر به، قبل أن يتحوّلَ الشعورُ إلى غربة تحرقنا في بيوتٍ تجمعنا .



