كتاب الرأي

الحرف اليدوية ونسلُّ العباقرة

        ✍️وفاء عبدالعزيز – كاتبة سعودية : 

ونحنُ نجوبُ هذا العالم الافتراضي نصادف الكثير
من القصص والأخبار، البعض منها يشِدُك و
البعض الآخر لا تُعيره ذلك الاهتمام، وهناك من
يجعلك تود أن تسحبه من خلف الشاشة لتصرخ فيه مُنبهًا ” أي يا فلان استيقظ” ؛كتلك المرأة التي اصطحبت طفلها الصغير لأحد الأندية الصيفية
التي تقيم الفعاليات الترفيهة والتعلمية للأطفال،
ولاحظت أن الكرة لا تستهويه ولا السيارات والطيارت من الألعاب كباقي أقرانه بل الأفران وأدوات الطبخ !
حتى أنه طلب منها أن تشتري له مطبخًا، وهي
مُحتارة بين أن تُلبي طلبه، وبين رفض والده الذي
يرى ذلك مُعيبًا في حقه كذكر، فتلك اللعبة للأناث!
شخصيًا استنكرت شعورها بالحيرة وما استفزني
أكثر سؤالها الذي طرحته في قصتها حين سألت
بكل سذاجة وخوف ” هل ذلك طبيعي بالنسبة لولد أن يختار هكذا لعبة؟”
السؤال جعلني أشعر بأن الأم متأثرة وجدًا بمسألة
اضطراب الهوية الجنسية الذي بات كابوسًا في
المجتمعات الغربية، ويحاولون تسريبه للعالم وجعله شغل المُجتمعات الشاغل،
والمشكلة في الأساس هي البيئة القذرة التي يتربون فيها فيتولد لديهم ذلك الإضطراب ويعتنقون الشذوذ!
والسؤال دفعني لتقدم والدفاع عن الطفل المسكين الذي لا يدري أن طلبهُ البريء جعل ذكورته موضع شك، و أثار خلافًا بين والديه !
توجهت لسيدة وكتبت لها الآتي:
لا يوجد ماهو غير طبيعي في اختياره للعبة، فهو
إنما اختارها لأن لديه ميولاً لطبخ، وعليك كوالدة
ألا تشعريه بأن في الأمر عيب أو خطأ فالطفل
حساسٌ جداً وإن تنبه لذلك سيشعر بأنه
ارتكب ذنبًا ، والشعور بالذنب سيولد في نفسه الخوف، كما أن
بعض الأطفال يختارون الألعاب لجمال شكلها و
تصاميمها؛ فترينه يلحُ لتشتريها لكن يحصل عليها ما يلبث و يملها ويتركها بعد فترة!
وفي حالته لا أظنه من الفريق الثاني بل هي إشارة
لشيء واعد في المستقبل”.
وما لا يعلمه أغلب الأباء والأمهات أن الطفل ليس
إلا في مرحلة عمرية، بسيطة في ميولها ويحب فيها التجربة والاستكشاف
والإستمتاع، فما من داع لذلك الخوف والغضب
وكأن الأمر قد حُسم من قبله وسيمتهن الطهو،
ولا أدري متى تنقرض هذه العقول التى ترى أن الطهي ينقص من الرجولة؟
وترا فيه، وفي بعض الحرف اليدوية مهنًا دون المستوى؟!
ذات مرة رأيت فصلاً تمهيديًا في أحد المدارس
اليابانية، وذُهلت لما شاهدته، حيث الأطفال
ُذكورًا وإناثًا يتحلقون في مجموعات بعضهم يحفر
على الخشب والبعض الأخر يخيط الثياب ويحيك الصوف، وأخرون
يشكلون الفخار ..الخ
لم أرى في الفصل أي طبيب أو مهندس أو عالم
بل نجارًا وفنانًا و صاحب صنعة؛
وما استنتجتُه أن الهدف من هذا الفصل هو
تدريب الصغار واكتشاف مواهبهم وأيضًا هو درس يغرسُ في نفوسِهم
احترام هذه المهن وتقدير أصحابها، فمتى
نصل إلى هذا المستوى من الوعي والاحترام ،
ومتى نقدر عقول صغارنا ونتركهم ليعيشو
طفولتهم بإريحية من دون أن زرع في نفوسهم
تلك العقد التي توارثناها ؟!
ما يثير الحزن أن بعض الأشخاص نظرتهم
لطباخ فوقية وإن لم يصرحوا علنًا، لكن تجدهم حين يسافرون الى بلد أوروبي ويتناولون وجبة في مطعم فاخر يمثلون الراقي والتهذيب ويطلبون لقاء ذلك الطاهي المُبدع لشكره، والثناء على طبقه الذي أمتع حواسهم !
نحنُ أمة التناقض بكل مالِّ الكلمة من معنى !
تعجبنا تلك الحرف وتبهرنا، ونمدح محترفيها لكن ممنوع أن نمارسها ويمارسها أبناؤُنا!
من حق أي أب و أم بطبع أن يطمحا لأولادهم بالأفضل لكن يجب عليك كمربي التوجيه من دون التسلط؛ ومن دون أن تفرض على إبنك ذلك الحلم الذي لم تحققه أنت، أو ذلك المسار الذي تعتقد أن من شأنه أن يدُّر عليه المال، ويصنع لهُ تلك الواجهة الاجتماعية التي تُشرفك، وليُقال مثلاً” والد الدكتور فلان “!
ولا تنسى أن لهُ كيانًا وعقلاً وأحلامًا قد تكون
مُغايرة لك، وعليك احترامها، فكم من طبيبٍ درس
الطب من أجل والديه، وفي أول فرصة استقلال
تنفس فيها حرية القرار، و وضعَ الشهادة جانبًا ليمارس ما يُحبْ، كالفن والطهي والميكانيكا وغيرها، وأنا هنا إن سلطةُ الضوء على الطب بذات
لأن الهوس بهذه المهنة زاد عن الحد عند شريحة
كبيرة من الأهلي، فكلما أنجبو طفلاً ألصقُو به
حرف الدال، بالرغم من خلو السُلالة من الذكاء
المُرتفع والعبقرية !

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى