فوضى

✍️ منصور عبدالله الزهراني – كاتب سعودي :
غرفته ضيقة، وضيقة جداً، ليس فيها أثاث كثير سوى مائدة صغيرة عليها قطعة من الخبز من ليلة البارحة. الغرفة مغلقة تماماً على نفسها سوى من شباك صغير يستقر قرب سقف عالٍ قد علاه الهباب ووسخ الذباب. لا يمكن الزعم بكون هذا الشباك نافذة فهو يشغل مكانها لكنه لا يؤدي وظيفتها.. إنه فقط مجرد ثقب صغير أو فرجة مفتوحة ومغلقة في الآن نفسه. فضاء عارٍ على شاكلة ما هو منتشر في الزنازن.
الجدران مهترئة وقد شلحت الرطوبة طلاءها القاتم فاستحالت على خرائط مشوهة لعالم ينهار، خيوط عناكب عملاقة وضئيلة في كل الأركان. وعلى الحائط المقابل للسرير دُقت عدة مسامير يستعملها كمشاجب ليضع عليها بعضاً من ملابسه، بينما يلقي البقية في أي مكان يصادفه غير آبه بالتنظيم. يدخن كثيراً وأعقاب سجائره تنتشر في أرجاء المكان، ناهيك عن تلك الرائحة التي تكتم الأنفاس والتي تتميز بها عادة غرف المدخنين. لم يكن الأمر ينتظر أكثر من ذلك فمثل هذا الفضاء غالباً ما تتواجد أعقاب السجائر كي تكمل الطقوس الرمادية الغارقة فيها هذه الغرفة.
يتنفس هواءً مشبعاً بالدخان لا يتجدد ليل نهار، فالربيع مثل الخريف في هذه الغرفة المهترئة. يسعل مراراً ويتجرع عقاراً دون جدوى، يقصد ركناً قصياً من الغرفة ليسعل دفعة واحدة ثم يعود إلى مائدته ليحاول أن يتناول موضوعاً يكتبه لكن سعاله يزعجه، فبمجرد أن يقوس ظهره ليدون شيئاً تصيبه نوبة سعال حادة فيضرب بعرض الحائط متابعة نشاطه المفضل. يقصد سريره الخشبي ويتمدد ملتحفاً بطانية من النوع الذي يستعمله الجنود، ويتنفس بعمق غير آبه برائحة ألواح الخشب الندية المختلطة برائحة دماء البق. إنه قبو من لظى يخنقه لكنه لا يشعر بشيء.. لقد ألف غرفته وشغف حبها قلبه فليس يجد عنها بديلاً.
يجول بعينيه في أرجاء مملكته فتقف نظراته على كومة من أوراق قصصه ورواياته التي تشكل جبلاً كبيراً مضطرب التكوين، ثم ينظر إلى السقف فتطارد عيناه فراشة صغيرة تحوم حول المصباح المشتعل ليلاً ونهاراً. تتواتر خطواتها متقدمة تارة نحو أسلاك المصباح وتارة أخرى تقف قرب الشباك أعلى الحائط وتتجمد هناك. بعوض كثير يدوّي في رأسه ومشروع القصيدة الجديدة لازال مبهماً، مجرد هالة من أفكار لعينة تأبى أن تأتي وتنسحب في الوقت الذي يحتاجها فيه.
يترك السرير قاصداً المائدة التي يستغلها للكتابة والقراءة والأكل والشرب وكل شيء. يطقطق أصابعه بانفعال.. لقد قرف كل هذا الوجود الصغير والكبير. فكر ثم فكر وأخيراً قرر أن يكتب عن “القرف” بيد أنه تراجع عندما تذكر أنه لا يكتب في الآونة الأخيرة إلا عن هذا الموضوع. ماذا عساه أن يفعل؟ أفكار شتى تقطن غرفة نخاعه الشوكي ولا تبرحه. تتحرك الفراشة مرة أخرى وتتقدم أكثر إلى الشباك لتلتصق به وترنو إلى الطريق الممتد الطويل الذي تزين جنباته حدائق من الأزهار والأشواك معاً. لا بد أنها تتمنى الغرق في الأزهار لكنها الآن محبوسة وتكتفي بالنظر ليس إلا. كيف ذلك؟ إن حجمها الصغير يمكنها من الخروج إن شاءت، ولكن يبدو أنها تنفر من الخارج ومافي الخارج وتحبذ مثله المكوث في الغرفة، لذلك تقتصر على ملاحظة ما يجري في هذا الزقاق الممتد دون أن تبدي استعدادها للنفاذ عبر ثقوب الشباك. تظل بعض الوقت في مكانها جامدة لا تتحرك ثم تطير وتحوم من جديد حول المصباح الصغير المليء ببقايا فضلات الذباب.
تتحرك الحروف في رأسه غير مرتبة في البداية لتنتظم بعد ذلك في كلمات لا معنى لها وتكون جملاً غير مكتملة وغامضة لا يفهمها هو بنفسه وبالأحرى لن يفهمها الآخرون. إنها الخيبة تأكله ويأكلها.. إنه غموض رأس مفلوق بالآلام ولا يدري ما يقول. فوضى الرأس.. فوضى الغرفة.. فضاء من عراء. كل شيء يطير، يئز، يحوم بدون هدف. نهارات تأكلها الليالي وأوقات صدئة موشكة أن تنفق عمراً كاملاً من التأكسد في غرفة لحده لتفسد كل شيء.
تحوم الحشرة حول المصباح المسود، ويدور هو حول نفسه، وكل شيء حوله يدور. يجمد في مكانه مسمراً ويحدق بالشباك ليبصر الحشرة دائخة في دورانها، يتحرك ويؤمم خطاه نحو الباب ويقف متربصاً ليفتحه. فيدخل للتو نسيم بارد من الممر الذي بجانب الغرفة ويتراجع إلى الوراء كأفعى ديس على ذيلها على حين غرة ثم يصفق الباب بعنف. ليس في الغرفة كائن حي سواه والحشرة التي تحوم بقرب المصباح. يسرع خطاه إلى سريره ليلقي بجثته على البطانية السوداء ويضع الوسادة على رأسه.. جفناه مثقلان بغشاوة كثيفة ينسدلان على عينين ترغبان في الفرار إلى نوم لن يأتي. إنها هوايته المفضلة أن ينام لمجرد أن ينام.. تباً! فالنوم لا يأتي فهي لا زالت تدور. ينهض فيزرر قميصه حتى ذقنه ثم يقصد أحد المسامير المثبتة في الحائط ليأخذ معطفاً ويرتديه. يعود ليستلقي على السرير ولازالت الحشرة تطوف فيتابعها بنظرات متعبة. كانت الحشرة تئز وهو يئن، يطلق تمتمات فيها رائحة من وجع وألم، ورغم ذلك فهي تدور.. وتدور.. وتدور.. ثم نام.



