كتاب الرأي

وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا

زاوية “جمعتنا آية”

        ✍️ حسن المقصودي-كاتب سعودي:

قراءة تحليلية في حوكمة العمل الممنهج: من مَركزية التمكين إلى استدامة الأثر
يقف المتأمل في مسارات الحراك المؤسسي المعاصر على فجوة متكررة بين جلبة البدايات وحصاد النهايات؛ فجوةٌ يصنعها الاندفاع نحو تفعيل البرامج دون تمهيد الأرض، وحرق المراحل رغبةً في تصدير الصورة الذهنية قبل نضج الأصول التشغيلية. وفي عمق الهدي القرآني، تشرق لفتة بيانية خفيفة الألفاظ عميقة الأبعاد في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾؛ لتتجاوز سياقها المباشر وتتحول إلى ركيزة استراتيجية في فقه الإدارة الرشيدة وحوكمة الأداء. إنها دعوة صريحة إلى القوامية؛ ذلك التوازن الحرج الذي يرفض إفراط التعجل السطحي، وينأى عن تفريط الركود، ليؤسس لمنهجية عمل رصينة تنطلق من الجوهر وتتسامى نحو الاستدامة.

أولاً: التمكين المؤسسي.. بناء القدرات قبل إطلاق المبادرات
إن أولى عتبات القوامية في الفكر الإداري الحديث هي التمكين. لا يمكن لأي برنامج تنفيذي أن يحقق مستهدفاته بينما تفتقر الكوادر البشرية المنوط بها التنفيذ إلى الجدارات المعرفية والمهارية اللازمة. التمكين هو الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري وتعميق الوعي بالرؤية الاستراتيجية. وعندما تقدم المنظمات التمكين كأولوية قصوى، فإنها تمنح مشاريعها حصانة تشغيلية، بحيث تصبح البرامج اللاحقة تدفقاً طبيعياً لبيئة مؤهلة، بدلاً من أن تكون مجرد فعاليات هشة تنهار عند أول تحدٍّ تنفيذي.

ثانياً: التخطيط والتحليل.. هندسة الواقع ورسم خارطة المستقبل
تنطلق المنهجية المتزنة من تشخيص دقيق وبيانات موثوقة؛ فالقوامية تقتضي ألا نتحرك بناءً على انطباعات عابرة أو حماس مؤقت. يمثّل “التحليل الاستراتيجي” فكَّ شفرات الواقع، ودراسة الفجوات، واستقراء الفرص والمخاطر. يليه “التخطيط” الذي يترجم هذه المدخلات إلى مستهدفات ومؤشرات واضحة الخطى. إن الانطلاق من التحليل والتخطيط يحمي المنظومة من هدر الموارد المادية والبشرية في أنشطة لا تلامس الاحتياج الفعلي، ويضمن أن كل جهد مبذول يقع في مكانه الصحيح من مصفوفة الأداء.

ثالثاً: التشارك والقياس.. بوصلة الجودة وهندسة الأداء
لا قوام للمشاريع دون “تشارك تنظيمي” يدمج العقول ويوحد الرؤى من خلال فرق العمل العابرة للمهام؛ فالانفراد بالرأي يعزز العمل في جزر معزولة، بينما التشارك يخلق قيمة مضافة ويجذر المسؤولية التضامنية تجاه النجاح. يتكامل هذا الفكر التشاركي مع نظام صارم لـ “القياس” عبر مؤشرات الأداء الرئيسية. القياس هو المرآة الموضوعية التي تحدد المسافة بين المخطط والمنفَّذ، وتمنح أصحاب القرار مرونة عالية للتصحيح والمحاذاة في الوقت المناسب، بعيداً عن التقييمات العاطفية أو الانطباعات الشفهية.

رابعاً: تفعيل البرامج.. المخرجات الناضجة على غصن التمكين
حين تكتمل دائرة التمكين، والتخطيط، والتحليل، والقياس، والتشارك، يأتي دور “تفعيل البرامج والفعاليات” بوصفه مخرجاً نهائياً ونتاجاً حتمياً لسياق مؤسسي ناضج. هنا لا تصبح البرامج مجرد “قشور” للاستهلاك الإعلامي المؤقت أو استنزاف الميزانيات، بل تتحول إلى تجسيد حي لعمق تنظيمي مستدام. إن البرامج التي تطلقها كفاءات ممكَّنة، وعقول خططت وتشاركت وقاست خطواتها، هي وحدهَا التي تترك أثراً ممتداً في بيئتها ومجتمعها، لأنها تستند إلى أرضية صلبة، مصداقاً للمنهج القويم: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾.

خـاتـمـة:
تمثل العودة إلى أسس العمل الممنهج ارتداداً واعياً لمواطن القوة، حيث لا يقاس نجاح المؤسسات بكثرة فعالياتها السطحية، بل بعمق تمكينها وأصالة بنائها الهيكلي. إن تبني ثقافة الإتقان، وحوكمة الأداء، والنضج المؤسسي قبل الإطلاق، يُحوّل المشاريع والفعاليات من مجرد أنشطة عابرة إلى منارات راسخة تضمن نفعاً مستداماً، وتحدث الأثر الحقيقي المرجو في مسيرة التنمية والتطوير.
والسلام ؛؛؛

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى