كتاب الرأي

أذكارُ قلبٍ وتحصينُ روح في قصة وداع وبوح مشاعر

✍️ د . محمد شايع الشايع – إكاديمي وكاتب بجامعة الملك سعود :

قصص الحياة متماثلة، ومشاعر القلوب متشابهة، ولمسير الركب أو الرحيل معانٍ وسلوك. ليس كل وداعٍ مغادرةٌ، فبعض الوداع يشبه اقتلاع شتلةٍ من عروق القلب، تُنقَل إلى تربةٍ جديدة لتواصل الحياة، والتأقلم مع عالمها الجديد، وتبقى جذورها ممتدة في الروح ذاتها، في قلب الذي نمّى وبذل واجتهد، وفيه لا تمرّ لحظات الوداع عابرة، بل تترك رجفةً خفيّة في ملامحه، كأن روحه تقف على حافة الغيب، تتأمل مستقبلاً لا تملكه، وتحاول أن تطمئن بالدعاء، بينما يثقلها واقع الحياة، وما يحمله من تقلبات البشر وتبدل الأيام.

ومن هنا تتولد الحكاية، حكاية الرحيل عن الأصل، والذي فيه بذل المربي جهده، فيه لم يكن يربّي جسداً يكبر فحسب، بل كان يصنع تجسيداً للمعنى والارتباط الإلهي من تحصينٍ وأذكار، وفيه يُعملُ التورية والتوطئة والفصل بين مشاعره وحاله، ليغزل من حنانه دثاراً يحمي من صقيع الأيام. فيه ومنه ومعه كان يغرس في الروح ما يحصنها منذ خطوتها الأولى، ليكون سنداً إذا اشتدت الرياح، ويعلّمها أن النجاة ليست في رصف الطرق بالورود، بل في مخافة الله، وحفظ الحقوق، والرحمة بالناس، وصيانة الودّ حين تتبدّل الظروف وتتنكر الوجوه.

للتربية القرآنية مكانةٌ معها يدرك الفرد، بحكمة السنين والخطوط التي رسمها الزمن على جبينه، أن الدنيا ليست دائماً كما نتمنى، وأن القلوب قد تتغيّر، وأن الإنسان لا يملك لأحبّته بعد الله إلا التربية الصادقة والصلوات المرفوعة في جوف الليل، لهذا عَمِلَ على أن تبني التربية داخل النفس حصناً لا تهدمه القسوة، ونوراً لا تُطفئه الخيبات، ووفاءً لا يُسقطه جفاء الآخرين.

منذ أول خطوةٍ صغيرة تعثرت فيها خطانا، بدأ خوفه الجميل، ذلك الخوف الدافئ الذي يجعله يسهر ليرتاح غيره، ويتجرع التعب لئلا يتسرب العناء إلى قلوب من يحب، ويخفي قلقه العميق خلف ابتسامة مطمئنة ويدٍ حانية تمسح على الرأس. كان يرى أن المسؤولية ليست طعاماً وكساءً فقط، بل بناء إنسان في معرفته ومهاراته وسلوكه الحياتي، وفيه يعرف حق الله في الرخاء، قبل الشدة، ويحفظ كرامته كأثمن ما يملك، ويكون رحيماً بالضعفاء حتى حين يمتلك القوة والقدرة.

وبطبيعة الخلق والتكوين الإنساني، تمضي السنوات سريعةً كالبرق، ليأتي ذلك اليوم المفصلي الذي يقف فيه المربي أمام قطاف غراسه، أمام وداعٍ ثقيل، يحاول فيه أن يبدو ثابتاً كالطود، بينما قلبه يرتجف بصمت كعصفور بلله المطر، ليس خوفاً من القدر، فهو يعلم أن الله خيرٌ حافظاً، ولكن لأن الواقع يموج بالقصص، ولأن ما يراه في مسرح الحياة يجعله أكثر تعلقاً بأستار الدعاء، وأكثر خوفاً على تلك القلوب الطيبة التي خرجت من عطفه لتقابل الدنيا بوجهها المكشوف.

وفي تلك اللحظة الساكنة من الوداع، يفهم المربي أن أعظم ما يورثه لمن يحب ليس مالاً يُفنى، ولا مظاهر تُنسى، بل “تحصين النفس”، أن يترك داخلهم بوصلةً إذا أظلمت الطرق، ومخافةً لله إذا غابت الرقابة، ورحمةً تسري في عروقهم إذا قست الحياة، ووعياً يحميهم من الانكسار مهما تبدلت الأيام وتغيرت العواطف.

فالتربية الحقيقية لا تطلب من الدنيا الكثير، وكل ما يتمناه المربي، في سره وعلانيته، أن تجد تلك القلوب التي غسلها بطهر تربيته، مَن يخاف الله فيها، ويحفظ ضعفها، ويصون أمانتها، ويعاملها بإنسانية لا بقسوة، وبمسؤولية لا بأنانية، يتمنى أن يرى أثره حياً يشيّده الأبناء في تعاملاتهم، ليكونوا امتداداً لظله الذي لا يغيب.

وفي غمرة الوداع الأخير، ينسحب الكلام، ولا يبقى في جوف المربي إلا الدعاء، دعاء طويل، عميق، يشبه العمر الذي أفناه، حباً وتربيةً وخوفاً واحتواءً في شبابه وقوته، فكيف به مع هرمه وضعفه؟ ومع ذلك، لا يبات سليم القلب من كثرة الهموم ومصاعب الحياة، ولا يجد من يفهم مشاعره، لكن المربي الموفق الصادق من ارتبط عمله بالله، فيرفع يديه المرتعشتين، ويسلّم أمانته لله، مطمئناً رغم دمعة العين، وحشرجة الصدر، ووصفه بميت المشاعر الذي لا يعرف للفرح مكاناً، يخفي رجفة الشعور والمشاعر، رغم إدراكه ويقينه الإيماني أن ما زُرع مرتبطاً بالله لا يضيع، مهما تغيرت تربة ومعاملة المالك الجديد، وما حُفِظ في ودائع الله يبقى في أمانه، ورعايته، ورحمته التي وسعت كل شيء. وداعٌ بالتحصين نسقيها، وبالدعاء نحفظها، وبالأذكار تشرئب المودة والحنين دمتم سالمين ودامت أماناتكم في ودائع الرحمن.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى