كتاب الرأي

التعلّق… حين يصبح القلب أسيرًا لما أحب

      ✍️ أسماء المطيري – كاتبة سعودية : 

التعلّق ليس كلمةً عابرة، بل رحلةٌ تبدأ بإحساسٍ صغير، وتنتهي – في كثيرٍ من الأحيان – بوجعٍ لا يُرى.

تبدأ الحكاية بفكرة، ثم تتحول إلى اهتمام، ثم إلى اعتياد، ثم إلى احتياج، حتى يأتي يومٌ تشعر فيه أن الحياة فقدت شيئًا من معناها إن غاب ما تعلّق به قلبك.

وحين أكتب عن التعلّق، فأنا لا أقصد الأشخاص وحدهم؛ فالقلب قد يتعلق بهدف، أو حلم، أو فكرة، أو عادة، أو مكان، أو نبتة، أو قطة، أو ذكرى. فالتعلّق لا يعرف أسماء الأشياء، بل يعرف مقدار المساحة التي يمنحها القلب لها.

يكبر هذا الشعور بصمت، ويتمدد في أعماق النفس دون أن نشعر، حتى يصبح جزءًا من هويتنا. فإذا رحل ما تعلّقنا به، أو تغيّر، أو أخطأ، أو انسحب من حياتنا، لم يكن الألم بسبب الرحيل وحده، بل لأن جزءًا من أرواحنا كان قد عُلّق هناك.

حينها تبدأ الأسئلة الثقيلة…

ماذا حدث؟

ولماذا أنا؟

هل كنت أحب باعتدال، أم كنت أُسلّم قلبي كله؟

هل خسرت شيئًا من كرامتي وأنا أحاول الحفاظ على ما أحب؟ أم أنني كنت أظن أن التضحية غير المحدودة هي الصورة الكاملة للمحبة؟

ما أكثر الضجيج الذي يصنعه القلب حين يتعلق، وما أشد الصمت الذي يتركه بعد الفقد.

ولو تأمل الإنسان نفسه، لسألها قبل أن يلوم الآخرين: هل يستحق هذا التعلّق كل هذا الثقل الذي أحمله؟ وهل أحمّل قلبي ما لم يأذن الله له أن يحمل؟

قال الله تعالى:
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.

إن القلب قد يرهقه ما يصنعه بنفسه قبل أن يرهقه الناس.

وقد يتعلق الإنسان بأوهام، أو بتصورات، أو بعلاقات منحها من القداسة ما لم يجعل الله لها، فيعيش أسيرًا لما لم يُنزل الله به سلطانًا.

ولذلك جاء هدي النبي ﷺ ليعيد للقلب اتزانه، فقال:

«أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا».

ليس المقصود أن نقلل من محبتنا، وإنما أن نحفظ قلوبنا من الإفراط؛ فكل حبٍّ يتجاوز حدّه قد يتحول إلى عبء، وكل تعلّقٍ يجعل سعادتك معلقة بوجود غيرك يترك قلبك عرضةً للانكسار.

ازرع الحب، لكن لا تجعل جذور قلبك في أيدي الناس.

وأحب، لكن تذكّر أن القلوب تتغير، وأن الأيام تتبدل، وأن الباقي وحده هو الله.

فإذا امتلأ القلب بالله، أحبّ الناس بمحبةٍ سوية، ورحل عنهم بقلبٍ مطمئن، وبقي واقفًا مهما تبدلت الوجوه، لأن من تعلّق بالله لم تكسره الدنيا، ومن علّق قلبه بغيره ظل يخشى الفقد في كل حين.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. شكرا خاص للأستاذة اسماء المطيري موضوع مميز يلامس الراق بشدة. كلمات لامست الروح قبل القلب يعطيك العافية 🤍🤍

  2. قرأت الكلمات وكأنها تتحدث عن مشاعر مررنا بها جميعًا. طرح راقٍ يستحق الإشادة، وقلم مبدع.. اسماء أبدعتِ في وصف التعلّق، وكيف يتحول من شعور جميل إلى قيدٍ خفي. كلمات تستحق الوقوف عندها والتأمل فيه.ننتظر جديدك بفارغ الصبر 👏🏻

  3. طرح جميل ومميز استاذة أسماء
    موضوع يلامس القلب قبل العقل …. فعلا التعلق يجعل الانسان مقيد لأشياء تجعل الإنسان كا السجين 🌺
    سلمت أناملك الذهبيه وسلمت روحك النقية ♥️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى