ثقل المعنى

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي:
في مرحلة ما من الحياة، لا يعود الإنسان مشغولاً بالسؤال ماذا أريد؟
بل يبدأ سؤال آخر أكثر هدوءاً وأشد عمقاً في الظهور: لماذا أفعل كل هذا أصلاً؟
نقضي سنوات طويلة ونحن نتحرك بدافع العادة، أو الخوف، أو الرغبة في الوصول.
ننجز، نسعى، نُراكم الأيام والنجاحات والعلاقات، ونظن أن الامتلاء يأتي من كثرة ما نملك، أو من عدد الأشياء التي استطعنا الوصول إليها.
لكن الإنسان، مهما امتلأت يداه، قد يبقى فارغاً من الداخل.
وهنا تبدأ الحيرة الحقيقية.ليست حيرة الطريق، بل حيرة المعنى.
أن تستيقظ يوماً وتُدرك أن بعض الأشياء التي أتعبتك طويلاً، لم تكن تستحق كل هذا الركض.
وأن بعض الأمنيات التي ظننتها خلاصك، لم تُغير في داخلك شيئاً بعد أن وصلت إليها.
في البداية، نظن أن المشكلة في التأخير،ثم نكتشف لاحقاً أن المشكلة كانت في اعتقادنا أن الوصول وحده يكفي.
نركض كثيراً لأننا نعتقد أن المعنى ينتظرنا في نهاية الطريق،بينما الحقيقة الأكثر هدوءاً، أن المعنى لا يُعثر عليه هناك دائماً.
أحياناً، يكون المعنى في الطريقة التي نعبر بها الأيام،في الطمأنينة التي نحافظ عليها رغم الفوضى،وفي قدرتنا على أن نبقى صادقين مع أنفسنا حتى حين لا نحصل على كل ما تمنيناه.
وفي خضم هذا السعي، ينسى الإنسان حقيقة بسيطة،أن الحياة ليست مشروعاً للإنجاز فقط، بل مساحة للفهم أيضاً.
فبعض الناس يصلون إلى ما أرادوا، ثم يكتشفون أنهم فقدوا أنفسهم أثناء الطريق.
ولهذا، لا تكون النجاة دائماً في أن تصل سريعاً،بل في ألا تخسر روحك وأنت تحاول الوصول.
وفي لحظة صدق نادرة، يدرك الإنسان أن المعنى لا يُصنع من الأشياء الكبيرة وحدها،بل من شعوره الداخلي تجاه حياته، ومن اتساقه مع ما يؤمن به، ومن السلام الذي يجده في قلبه وهو يعيش أيامه العادية.
وقد أشار المعنى القرآني إلى هذا الاضطراب الإنساني في السعي حين قال الله تعالى:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾
وكأن الإنسان قد ينشغل أحياناً بكثرة ما يجمع، حتى ينسى نفسه وهو يجمعه.
وحين ينضج الوعي، تتغير المقاييس كلها. لا يعود الإنسان يسأل كم حققت؟
بل يبدأ بالسؤال ماذا أبقت هذه الرحلة حياً داخلي؟
وهنا فقط، يصبح للحياة معنى لا يزول بسرعة.
فالمعنى الحقيقي لا يأتي من كثرة ما نصل إليه
بل من شعورنا أننا لم نفقد أنفسنا أثناء الوصول.
للتواصل:[email protected]



