كتاب الرأي

الفلسفة التأسيسية للتحول التنموي : تمكين المرتكزات قبل تدشين الفعاليات في رجال ألمع

    ✍️ حسن المقصودي-كاتب سعودي : 

لا تبدأ حكاية التحول الحقيقي من المنصات اللامعة، ولا من وميض الفعاليات العابرة؛ بل تولد الفخامة الحقيقية من العمق، حيث تصبح البيانات بوصلة، والإنسان مرتكزاً، والأرض بنية صلبة لا تقبل الارتجال. إن صياغة مشهد حضاري فاخر لمحافظة رجال ألمع، يتسق مع عبقرية استراتيجية عسير “قمم وشيم” ويتكامل بنبوة مع طموحات “شركة السودة للتطوير”، يستوجب لزاماً إعلان “المرحلة الصفرية المحكمة”؛ مرحلة تمنع تجاوز الأساسيات، وتجعل من التمكين العلمي والإحصائي شرطاً واجباً قبل ملامسة أرض الواقع. إن التخطيط الاستراتيجي الحديث لا يعترف بالخطوات القافزة، بل يرفض بشكل قاطع تجاوز التأسيس إلى التنفيذ قبل تحقيق الأركان الضامنة للنجاح.

ومن الصواب أن نوضح للجميع، وبمنتهى الشفافية والعمق الاستراتيجي، أننا لسنا في موقع تعارض أو تقاطع مع أي خطة عمل نسمع عنها أو نقرأ تفاصيلها، ولا مع الجهود المقدرة التي تبذلها فرق العمل الميدانية؛ فنحن نثمن كل حراك تنموي يهدف إلى رفعة المحافظة.

ولكن، لزاماً علينا أن نضع النقاط على الحروف؛ إن “الفعاليات والبرامج” والمشهد التفاعلي ليس مطلباً وليد اللحظة لرجال ألمع، بل هو امتداد لحضور تفاعلي تاريخي ومؤسسي صنعته المحافظة على مدى عشرات السنين. لقد كنا وما زلنا حاضرين في قلب المشهد الثقافي، وتشاركنا مع الجميع بناء هذا المجد التراكمي بكل فخر واعتزاز.

لذلك، فإن الأولوية القصوى اليوم لرجال ألمع لا تكمن في تكرار الحضور العابر أو إعادة إنتاج الفعاليات؛ بل إن السؤال الحقيقي والجوهري الذي يجب أن يسبق كل خطوة هو: كيف يجب أن تكون رجال ألمع بنيوياً وبشرياً ومعلوماتياً قبل أن نكون في الميدان؟

إننا نبحث عن “ألمع الحاضرة بالمستقبل”؛ تلك التي تتأسس على ثلاثة مرتكزات سيادية ضامنة للنجاح قبل بداية العمل:
-سلطة البيانات ومأسستها: عبر إحصاء رقمي دقيق وشامل للكفاءات والتخصصات والقدرات المحلية؛ لبناء منصة كفاءات تصنف العقول في مجالات العمارة التراثية، والبيئة، والذكاء الاصطناعي الزراعي؛ لضمان صناعة قرارات مدفوعة بالحقائق لا بالتخمين.
-الارتقاء بالإنسان الألمعي وتمكينه:
بوضعه في مقام “المستثمر الأول” والقائد التنفيذي للوجهة، ونقله عبر برامج تمكين نخبوية إلى مصاف التخصصات الدولية في إدارة الوجهات الفاخرة والضيافة البيئية المستدامة والاقتصاد الثقافي.
-البنية التحتية وحصانة الجغرافيا:
بتطوير ممكنات ذكية وحلول رقمية، وشبكات طرق وأنفاق صديقة للبيئة تربط المحافظة بالسودة بأعلى معايير الأمان، بما يحمي التنوع البيئي الاستثنائي للأودية والمدرجات، ويؤهل القصور التراثية لتتحول إلى فنادق بوتيك فاخرة تُدار بأيدٍ ألمعية محترفة.
هذا هو الفارق بين التخطيط المؤقت، والتخطيط الاستراتيجي المحكم الذي يتسق مع رؤية المملكة ٢٠٣٠ وتطلعات سمو أمير المنطقة. إننا نريد إرساء الأساسات التي تضمن نجاحاً راسخاً، لتظل رجال ألمع دائماً في المكانة الفاخرة التي تليق بعراقتها وإنسانها.

دعوة للشراكة والبناء:
ولأجل تحقيق هذه التطلعات وترجمتها إلى واقع ملموس، فإننا ندعو من هذا المنبر إلى إطلاق “ورشة عمل استراتيجية كبرى” تجمع أبناء وبنات ألمع، كلٌّ في مجال تخصصه وخبرته؛ ورشة عمل وطنية تتبناها محافظة رجال ألمع، وتشرف عليها وتنظمها “شركة السودة للتطوير”. إن هذا الحراك التشاركي يتطلب إعداداً استراتيجياً ماكناً وحصيفاً، يضع مصفوفة الكفاءات على طاولة التنمية، ويرسم خطوط التكامل البنيوي بين طموح الشركة وعراقة المجتمع المحلي، ليكون هذا اللقاء الحجر الأساس لنقطة الانطلاق الحقيقية.

خاتمة واستشراف:
إن صياغة غدٍ استثنائي لرجال ألمع لا تتطلب العجلة في قطف الثمار، بل الإحكام في غرس الجذور. وعندما نمنح البيانات سيادتها، وللإنسان أفضليته، وللبنية التحتية متانتها؛ ستولد البرامج والفعاليات كتحصيل حاصل لعمل مؤسسي باهر، يثبت للعالم أن ألمع لا تقلد المستقبل، بل تصنعه بأصالة مكانها وعمق تخطيطها.
والسلام ؛؛؛

للتواصل :
[email protected]

شريفة راشد القطيطي

مديرة القسم الثقافي بصحيفة عنوان الاخبارية و ممثلة ولاية الخابورة في لجنة الكتاب والادباء العمانية وعضوة في لجنة الكتاب والأدباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى