خيوط الوهم .. من ملفات المحقق سمير

✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
في زاوية أخرى من تلك المدينة التي لا تنام إلا على صوت أسرارها، كان المطر ينقر بنغمة رتيبة على زجاج مكتب المحقق الخاص (سمير). كان جالسًا وراء مكتبه الخشبي، يتأمل فنجان قهوته الذي تصاعد منه البخار ليختلط بدخان المدينة بالخارج. قرر أخيرًا إغلاق ملفاته والمغادرة، فارتدى معطفه الطويل وقبعته المعتادة، وخرج ليواجه ليل الضاحية البارد.
لم يكن يمشي طويلاً حتى استوقفه مشهد غريب عند مدخل حديقة عامة مهجورة؛ كانت هناك أرجوحة أطفال تتحرك بقوة في مكانها، رغم أن الهواء كان ساكنًا تمامًا.
اقترب سمير بخطوات حذرة، ولم يجد طفلًا، بل عثر على دمية قماشية قديمة مخيطة بعناية، وقد غُرزت في قلبها إبرة فضية طويلة علقت بها ورقة صغيرة. اقترب واشتم رائحة غريبة تفوح من الدمية… كانت رائحة “أوراق الشجر المحترقة والمطر القديم”، رائحة تبعث على القشعريرة والذكريات المنسية. فتح الورقة ليجد جملة واحدة مكتوبة بخط يد مهتز: «أنا لستُ هنا، أنا في داخل رأسك». وتحت الجملة، رُسم رمز “المرآة المكسورة”.
أدرك سمير على الفور أن هذه الجريمة ليست اعتداءً جسديًا، بل هي حرب نفسية شعواء يشنها مجرم يتلاعب بالعقول.
قادته الأبحاث الخفية وتتبع مصدر الخيوط المستخدمة في خياطة الدمية إلى متجر قديم لبيع الأنتيكات في أطراف المدينة، يديره رجل عجوز غريب الأطوار يُدعى (العراف). بذكائه وحضوره المهيب، ضغط سمير على العراف، لينهار الأخير ويعترف بأن الدمية صُنعت بطلب من شخص مجهول الهوية، كان يتحدث دائمًا عن “تطهير المدينة من ذكرياتها”، وأن رمز “المرآة المكسورة” يعود لشخص يرى نفسه مصلحًا للأرواح عبر تحطيمها.
كلما حاول سمير الإمساك بطرف خيط، كان القاتل النفسي يسبقه بخطوة؛ فكان يترك له رسائل في أماكن زارها سمير في ماضيه، وكأن المجرم لا يراقبه فحسب، بل يقرأ أفكاره ويزرع الشك في نفسه.
في ليلة حالكة، تلقى سمير طردًا غامضًا في مكتبه. عند فتحه، وجد ساعة جيب ذهبية متوقفة عند الثامنة تمامًا، وبداخلها صورة لمكتب سمير نفسه التُقطت من زاوية مستحيلة… من النافذة الخارجية! ومعها نفس الرائحة الكئيبة لأوراق الشجر المحترقة.
أسرع سمير نحو النافذة ليتطلع إلى الشارع، فلم يلمح سوى خيال عابر يختفي تحت الضوء الخافت لعمود الإنارة، تاركًا خلفه صدى ضحكة خافتة تتردد في أزقة المدينة الميتة.
وقف سمير في وسط مكتبه، وعيناه تلمعان ببريق التحدي. أدرك أن هذا المجرم لا يريد قتله، بل يريد دفعه نحو الجنون، وجعله يشك في كل من حوله، بل وفي ظله الشخصي.
أمسك سمير بقلمه، وفتح ملفًا جديدًا، وكتب على غلافه بخط عريض وثابت: «قضية خيوط الوهم؛ المجرم لا يملك وجهًا، لكنه يملك مرآة تعكس مخاوفنا». أغلق الملف وهو يعلم أن المواجهة القادمة لن تكون بالرصاص، بل بصلابة العقل، وأن اللعبة النفسية قد بدأت للتو.
تمت.
للتواصل : [email protected]



