كتاب الرأي

سماسرة الشعر بين الغثّ والسمين

✍️ عايد الظويلمي – كاتب سعودي:

في زمنٍ صار فيه كل شيء قابلًا للبيع والشراء، لم يسلم الشعر من سوق السماسرة. تلك الكلمة التي كانت تُقرن قديمًا بالموهبة والصدق والإحساس، أصبحت اليوم في كثير من الأحيان رهينة حساباتٍ تجاريةٍ باردة، يديرها من لا علاقة لهم بجوهر الإبداع، بقدر ما تربطهم به مصالح وأرقام.

سماسرة الشعر هم أولئك الوسطاء الذين يقفون بين الشاعر والجمهور، أو بين الشاعر والمنصات الإعلامية، يرفعون هذا ويُقصون ذاك وفق معايير لا تمتّ دائمًا للجودة بصلة. فكم من شاعرٍ حقيقيٍّ بقي في الظل لأنه لا يملك “وسيطًا” يروّج له، وكم من نصٍّ هزيلٍ لمع نجمه لأن وراءه من يدفع به إلى الواجهة.

المشكلة لا تكمن في وجود الوساطة بحد ذاتها، فهي جزء طبيعي من أي حقل ثقافي، بل في تحوّلها إلى أداة تزييف. حين يصبح “الغثّ” متصدّرًا المشهد، لا لشيء إلا لأنه مدعوم، بينما يُهمَّش “السمين” لأنه يفتقر إلى العلاقات، فإننا أمام خللٍ حقيقيٍّ يهدد الذائقة العامة.

ومن أخطر ما يفعله هؤلاء السماسرة أنهم يعيدون تشكيل معايير التلقي. فالجمهور، مع الوقت، يعتاد ما يُقدَّم له بكثرة، حتى وإن كان ضعيفًا، فينخفض سقف التوقعات، ويختلط عليه الجيد بالرديء. وهنا تصبح المعركة أصعب؛ لأنها لم تعد فقط معركة إنتاج نصوص جيدة، بل معركة وعي أيضًا.

لكن، وعلى الرغم من هذا الواقع، يبقى الشعر الحقيقي قادرًا على البقاء. فالنص الصادق يمتلك قوة خفية تجعله يصل، ولو بعد حين. قد يتأخر، وقد يُحاصر، لكنه لا يموت. وفي المقابل، فإن ما يُفرض فرضًا سرعان ما يتلاشى بزوال الدعم.

الحل لا يكمن في محاربة السماسرة فقط، بل في تمكين المنصات النزيهة، وتشجيع النقد الجاد، وتعزيز وعي القارئ. فكلما ارتفع وعي الجمهور، تضاءلت قدرة “تجار الشعر” على تمرير بضاعتهم.

في النهاية، سيظل الشعر ساحةً للصراع بين الغثّ والسمين، بين الزيف والصدق. والسؤال الحقيقي ليس: من يربح الآن؟ بل: من يبقى

للتواصل:[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى