الله لا يخذل قلباً وثق به

✍️ ناهد شما – كاتبه أردنيه :
في تلك الليلة، عدتُ من فرحٍ كان يعجّ بالضحكات والأنوار، ولم أكن أعلم أنني على موعدٍ مع اختبارٍ من نوعٍ آخر… اختبارٍ لا تُقاس شدته بالألم، بل بما يُحدثه من رجفةٍ في أعماق الروح.
ساورني شعورٌ غريب، حدسٌ لم أستطع تجاهله، فقررت دون تردد أن أذهب إلى الطبيب. كانت الخطوات ثقيلة، لكن شيئًا في داخلي كان يدفعني للمضي. وبعد سلسلة من الفحوصات، جلس الطبيب أمامي بوجهٍ لم يُخفِ جدية الخبر… نعم، كان هناك مرضٌ خبيث.
توقّف الزمن للحظة. لم يكن الخبر سهلًا عليّ ولا على أسرتي، خاصةً أنني كنت دائمًا حريصة على صحتي، أعتني بنفسي، وأظن أنني بمنأى عن مثل هذه المفاجآت. لكن بين الصدمة والتسليم، كان هناك صوتٌ داخلي يهمس:
“قدّر الله وما شاء فعل… ولعل في الأمر خيرًا لا نراه الآن.”
لم أخف من العملية بقدر خوفي من البنج… كنت أسمع الكثير من الحكايات التي تُرعب القلب، عن غيبوبةٍ لا تنتهي أو وداعٍ مفاجئ. لكن حين تحين لحظة المواجهة، لا يبقى للإنسان إلا يقينه بالله. دخلتُ غرفة العمليات، وأنا أُسلّم أمري لمن لا تضيع عنده الأمانات.
مرّت العملية بسلام، والحمد لله. لكن الترقّب لم ينتهِ بعد… كان القرار الأهم بانتظاري: هل سأحتاج إلى العلاج الكيماوي؟
كان رأي الطبيب يميل إلى ضرورة أخذه، خاصةً في المرحلة التي سبقت العملية.
في تلك الفترة، لم يكن لديّ سلاحٌ سوى الإيمان… التزمتُ يوميًا بقراءة سورة البقرة، أستفتح بها يومي وأختم بها قلقي، أُكثر من الاستغفار، وألجأ إلى الرقية الشرعية وكأنني أستمد منها طمأنينةً تعجز الكلمات عن وصفها. لم يكن الأمر مجرد قراءة… بل كان تعلقًا صادقًا، وثقةً عميقة بأن الله لن يخذل قلبًا لجأ إليه.
وجاءت المفاجأة…
نتائج التحاليل بعد العملية أذهلت الطبيب قبل أن تُفرحني. لم أكن بحاجة إلى العلاج الكيماوي!
تلك اللحظة لم تكن مجرد خبرٍ سار… كانت درسًا عظيمًا، بأن بين العبد وربّه أبوابًا لا تُغلق، وأن اليقين الصادق قد يفتح من الفرج ما تعجز عنه كل الحسابات الطبية.
اليوم، أروي قصتي لا لأتحدث عن الألم، بل عن الأمل…
لا لأُظهر قوتي، بل لأُذكّر بأن القوة الحقيقية تكمن في التوكل على الله.
فمهما اشتدت الظروف، ومهما بدا الطريق مظلمًا، يبقى النور في داخلنا… في دعائنا، في يقيننا، وفي ثقتنا بأن الله لطيفٌ بنا، حتى وإن لم نفهم حكمته في البداية.
“ومن يتوكل على الله فهو حسبه.”
وفي ختام حكايتي… لا أملك إلا أن أرفع يدي إلى السماء شاكرةً، وأقول:
اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا…
اللهم يا شافي يا كافي، اشفِ كل مريض، واربط على قلب كل مبتلى، واجعل مرضه رفعةً في درجاته وتكفيرًا لسيئاته…
اللهم لا تُرينا في أنفسنا ولا في من نحب مكروهًا، واجعلنا من الذين إذا ابتُلوا صبروا، وإذا أُنعِم عليهم شكروا، وإذا أذنبوا استغفروا…
اللهم ارزقنا يقينًا لا يتزعزع، وثقةً بك لا تهتز، وقلوبًا معلّقةً بك في كل حين.
أما نصيحتي لكل من يقرأ كلماتي:
لا تربط طمأنينتك بالأسباب وحدها، ولا تجعل خوفك أكبر من إيمانك… خذ بالأسباب، نعم، لكن علّق قلبك بالله أولًا وأخيرًا.
ففي لحظةٍ واحدة، قد يغيّر الله كل شيء… وقد تأتيك العافية من حيث لا تحتسب، ويُكتب لك الفرج بطريقةٍ تعجز عن تفسيرها.
توكّلوا على الله بصدق… فالله لا يخيّب قلبًا وثق به
للتواصل:[email protected]



