حين نختار المستقبل بالنيابة

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
في كل عام، يعيش آلاف الطلاب لحظة يظنها كثيرون مجرد خطوة نحو الجامعة، بينما هي في الحقيقة بداية طريق قد يمتد لعقود من العمر.
وفي تلك الأيام، تكثر النصائح، وتعلو الأصوات، وتتعدد الآراء. هذا يرى أن الطب هو المستقبل، وآخر يؤمن أن الهندسة هي الخيار الأفضل، وثالث ينصح بما يحقق الأمان الوظيفي، ورابع يقيس النجاح باسم التخصص قبل أن يعرف اسم الإنسان.
وبين كل ذلك، قد يغيب السؤال الأهم:
هل هذا التخصص يشبه صاحبه؟
غالبية الآباء لا يفرضون اختياراتهم لأنهم يريدون السيطرة، بل لأنهم يحبون أبناءهم، ويخافون عليهم، ويتمنون أن يروهم في أفضل حال. وهذا شعور صادق لا يختلف عليه اثنان.
لكن الحب، مهما كان عظيماً، لا يجعل جميع القرارات صحيحة.
فقد يرى الأب المستقبل بعين خبرته، بينما يراه الابن بعين شغفه. وبين الخبرة والشغف، لا ينبغي أن يكون أحدهما عدواً للآخر، بل شريكاً له.
ليست المشكلة أن يلجأ الابن إلى والديه طلباً للمشورة، فخبرة الحياة لا تُشترى، ولا تُختصر في كتاب. والمشكلة أيضاً ليست في أن يوجه الأب ابنه، فذلك جزء من مسؤوليته.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التوجيه إلى قرار، والمشورة إلى إلزام، ويصبح حلم الابن مؤجلاً حتى يرضى الجميع… إلا هو.
وقد يبدو للآخرين أن الابن نجح، لأنه نال شهادة مرموقة، أو شغل وظيفةً يحلم بها كثيرون، لكن النجاح الذي لا يشبه صاحبه قد يتحول إلى عبءٍ يرافقه كل صباح. فليست قيمة النجاح في المكانة التي يمنحها للإنسان، بل في السكينة التي يمنحها لقلبه، وفي رضاه عن اليوم الذي يعيشه.
كم من إنسان تخرج في تخصص لم يكن يحبه، وأتقن عمله، لكنه ظل يشعر أن شيئاً بداخله لم يجد مكانه بعد.
وقد ينجح في نظر الناس، لكنه يقضي سنوات يبحث عن نفسه في طريق لم يختره.
وفي المقابل، كم من شاب اختار تخصصاً يناسب قدراته، فصنع فيه أثراً، لا لأنه كان الأسهل، بل لأنه كان الأقرب إلى شخصيته.
فالنجاح لا يولد من اسم التخصص وحده، بل من الإنسان الذي يدرسه.
ولهذا، ليس السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأسرة: ما أفضل تخصص؟
بل:
ما التخصص الذي يستطيع هذا الابن أن يمنح فيه أفضل ما لديه؟
فليس جميع الأبناء نسخة واحدة، كما أن الحياة لم تعد طريقاً واحداً يؤدي إلى النجاح.
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه الأب لابنه، ليس أن يرسم له الطريق كاملاً، ولا أن يتركه يسير وحده، بل أن يمشي معه حتى يعرف نفسه، ثم يثق بأنه قادر على اتخاذ قراره.
فالجامعة لا تمنح الإنسان شهادة فقط، بل تمنحه بداية حياة مهنية، وربما تصنع جزءاً كبيراً من رضاه عن نفسه.
ولهذا، فإن القرار لا يستحق أن يُبنى على رغبة عابرة، ولا على ضغط المجتمع، ولا على مقارنة بالأصدقاء، بل على معرفة صادقة بالقدرات، والميول، وما يستطيع الإنسان أن يبدع فيه.
فقد يختار الأب لابنه تخصصاً يرفع رأسه بين الناس، لكن لا شيء يرفع قلب الأب أكثر من أن يرى ابنه يذهب إلى عمله كل صباح وهو يحبه.
فليس كل تخصص مرموق يصنع إنساناً ناجحاً…
لكن الإنسان الذي يعرف نفسه، غالباً ما يصنع النجاح في التخصص الذي يشبهه.
للتواصل : [email protected]



