المناسبات الوطنية وحفظ الذاكرة الوطنية.. قراءة في ترسيخ ثقافة التاريخ الوطني

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر- كاتب سعودي :
قبل أن أطرح هذه الفكرة، أؤكد أنني على يقين بأن أهمية ترسيخ ثقافة التاريخ الوطني ليست غائبة عن المسؤولين في دارة الملك عبدالعزيز، ولا عن إمارات المناطق، ولا عن الجامعات والمراكز العلمية والبحثية، ولا عن كل المهتمين بالتاريخ الوطني. فهذه الجهات المباركة قامت، ولا تزال تقوم، بجهود علمية ووطنية كبيرة في توثيق تاريخ المملكة، وإبراز محطاته، وحفظ مصادره، وتعزيز حضوره في الوعي الوطني.
وما أكتبه هنا ليس إلا خاطرًا أضمه إلى تلك الجهود المباركة، ولبنةً متواضعة في صرحٍ وطني شامخ شُيّد بعقول المخلصين وجهودهم، راجيًا أن يكون إسهامًا يسيرًا يثري الحوار، ويضيف فكرة قابلة للنقاش والتطوير، خدمةً لتاريخ وطننا العزيز وأجياله القادمة.
وقد استوقفني ما طرحه الدكتور عوض بن صليم القحطاني في مقاله الموجز والبليغ بعنوان: «هل آن الأوان أن تُدوَّن احتفالاتنا الوطنية كذكرى للتاريخ؟»، إذ عرض فكرة تستحق التأمل، واقترح أن تحمل بعض الشوارع والمحاور أسماء تواريخ المناسبات الوطنية؛ لتبقى هذه المناسبات حاضرة في الذاكرة العامة، وليغدو التاريخ جزءًا من المشهد اليومي. وهي رؤية أراها جديرة بالاهتمام والبناء عليها.
ومن هذا المنطلق، أتمنى ألا تبقى هذه الفكرة في إطار مقال يُقرأ ثم ينتهي أثره، بل أن تكون منطلقًا لمبادرة وطنية تتشرف دارة الملك عبدالعزيز برعايتها، وتتعاون في تنفيذها إمارات المناطق، والجامعات، والمراكز العلمية والبحثية، كلٌّ وفق اختصاصه، بما يثري التجربة الوطنية، ويعزز حضور التاريخ الوطني، وينشر ثقافته بين أفراد المجتمع، حتى يصبح التاريخ حاضرًا في الوعي، ومشاهدًا في المكان، ومتجذرًا في وجدان الأجيال.
إن التاريخ لا يُحفظ في بطون الكتب وحدها، ولا يترسخ في الذاكرة من خلال الاحتفاء بالمناسبات الوطنية مرةً في العام فحسب، وإنما يزداد حضوره حين يصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ في أسماء الطرق والشوارع والميادين، والحدائق والساحات، واللوحات التعريفية، والمتاحف، والمناهج الدراسية، والبرامج الثقافية، فينشأ الجيل وهو يقرأ تاريخ وطنه كل يوم، لا في المناسبات وحدها.
وقد نجحت الدولة – أيدها الله – في ترسيخ مناسبات وطنية عظيمة، وفي مقدمتها يوم التأسيس، واليوم الوطني، ويوم العلم، حتى أصبحت محطات وطنية ينتظرها المجتمع بكل فئاته، وأسهمت في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ الانتماء. غير أن هذه المناسبات يمكن أن تكون أيضًا نقطة انطلاق لمشروع ثقافي ومعرفي أشمل، يمتد أثره إلى جميع أيام العام.
ومن الأفكار التي يمكن أن تثري هذا التوجه، إطلاق أسماء الأحداث الوطنية الكبرى على الشوارع والميادين والحدائق والمرافق العامة، مع وضع لوحات تعريفية موجزة تروي قصة كل حدث، بحيث يتحول المكان إلى وسيلة تعليمية مفتوحة، ويصبح التاريخ جزءًا من الحياة اليومية للمواطن والمقيم والزائر.
ولا ينبغي أن يقتصر توثيق الذاكرة الوطنية على استرداد الرياض أو إعلان توحيد المملكة العربية السعودية، على عظم مكانتهما، بل إن لكل منطقة من مناطق المملكة صفحات مشرقة في مسيرة التوحيد والبناء، ولكل إقليم أحداثه ورجاله ومواقفه التي أسهمت في قيام هذا الوطن العظيم. وتوثيق هذه المحطات وإبرازها في الفضاء العام يعمق معرفة المجتمع بتاريخ وطنه، ويؤكد أن ملحمة التوحيد كانت ثمرة جهود امتدت إلى مختلف أنحاء المملكة.
إن حفظ التاريخ الوطني ليس مسؤولية جهة بعينها، بل هو مشروع وطني تتكامل فيه الأدوار، وتلتقي فيه جهود المؤسسات العلمية والثقافية والتنفيذية. وكل فكرة صادقة تُطرح في هذا المجال ليست إلا إضافة متواضعة إلى عمل كبير، ورغبة في أن يبقى تاريخ المملكة حاضرًا في العقول، حيًا في الوجدان، ومتجسدًا في المكان، ليظل مصدر فخر واعتزاز للأجيال المتعاقبة.



