حين يصبح العطاء تهمة… وقصة أبٍ أنهكته التضحية

✍️صالح الزهراني- كاتب سعودي :
لم يكن يتخيل يوماً أن الطريق الذي اختاره حباً ومسؤولية سيقوده إلى هذا الشعور الثقيل. قضى عمره وهو يركض بين العمل والبيت، بين التعب والأمل، يحمل على كتفيه أحلام أبنائه قبل أن يحمل حقيبته، ويقدّم راحتهم على راحته، واحتياجاتهم على رغباته، ومستقبلهم على حاضره.
كان يرى في كل تضحية استثماراً في الغد…
وفي كل تعب بسمةً مؤجلة على وجوههم…
وفي كل حرمانٍ شخصي حياةً كريمة لهم.
ليالٍ طويلة قضاها يفكر في مصاريف الدراسة، وأقساط البيت، ومتطلبات الحياة التي لا تنتهي. لم يشتكِ يوماً، ولم ينتظر شكراً، بل كان يكفيه أن يرى أبناءه يكبرون أمامه آمنين مطمئنين.
مرت السنوات… وكبر الأبناء.
لكن المفاجأة لم تكن في تغير الزمن، بل في تغير القلوب.
تحول الأب الذي كان مظلة الأمان إلى شخصٍ يُحاسَب على كل شيء، وتحوّلت الأم — التي كانت شريكته في رحلة الكفاح — إلى محورٍ تُروى حوله القصص، بينما غاب ذكر الأب أو اختُصر دوره في واجبٍ مفروض لا فضل فيه.
لم يكن يتوقع أن يسمع كلمات التمنّن:
“هذا واجبك”
“لم تفعل إلا ما يجب”
“غيرك فعل أكثر”
ولم يكن يتخيل أن يصل الأمر إلى التطاول عليه، ورفع الأصوات في وجهه، وكأن سنوات العطاء قد مُحيت من الذاكرة.
جلس ذات مساءٍ يتأمل صمته، يسأل نفسه:
هل أخطأت حين أعطيت بلا حدود؟
هل كان عليّ أن أترك مساحة ليُدركوا قيمة ما قدمت؟
أم أن زمن الوفاء تغيّر، وأصبحت التضحيات تُنسى بسرعة؟
لم يكن يبحث عن مالٍ يعود عليه، ولا عن رد جميل، بل كان يريد احتراماً يليق بعمرٍ أفناه، وكلمة تقديرٍ تُخفف تعب السنين.
إن مأساة بعض الآباء ليست في الفقر أو المرض أو الشيخوخة… بل في شعورهم بأنهم أصبحوا غرباء داخل بيوتهم، وأن ذكريات التضحية لم تعد تعني شيئاً في قاموس الأبناء.
ومع ذلك، يبقى قلب الأب كبيراً…
يغضب بصمت، ويتألم بصمت، ويغفر بصمت.
لأنه يعرف أن الأبوة ليست عقداً يُفسخ، ولا صفقةً تُرد، بل رسالة عمرٍ لا تنتهي.
فيا أبناء اليوم…
تذكروا أن رجلاً ما وقف بينكم وبين قسوة الحياة،
وأن امرأة ما سهرت لتناموا مطمئنين
وأن أقل ما يُهدى في نهاية الرحلة…
ليس المال، بل الوفاء.
فبرّ الوالدين ليس فضلاً
بل إنسانية
للتواصل : [email protected]




مقالك عن الأب يلامس جانبًا عميقًا من التجربة الإنسانية؛ فهو لا يختزل الأب في دوره التقليدي كمصدر للإنفاق أو السلطة، بل يقدّمه كحضور وجداني يصنع الفارق في تفاصيل الحياة اليومية. لفتني كيف أبرزتَ تضحياته الصامتة، تلك التي لا تُقال ولا تُكتب، لكنها تُرى في مواقفه وثباته وقت الشدائد.
المقال يحمل صدقًا واضحًا، ويعيد التذكير بقيمة غالبًا ما تُؤخذ كأمر مُسلّم به.
ومن هنا نقول :
إنها دعوة غير مباشرة لإعادة النظر في علاقتنا بآبائنا، وعلاقة الآباء بأبنائهم.
شكراً للكاتب الرائع والقلم الصادق على هذا المقال الوجداني
شكرًا لك على هذا التفاعل المميز وكلماتك التي عكست فهمًا عميقًا لمضمون المقال ونعتز بمثل هذه الآراء الثرية التي تضيف قيمة حقيقية.
مقالك ليس مجرد كلمات بل مرآة صادقة لوجعٍ صامت يسكن قلوب كثير من الآباء وصياغتك حملت من الصدق ما يجعل القارئ يقف احترامًا قبل أن يُكمل القراءة.
أبدعت حين منحت الأب حقّه من الإنصاف ولامست بأسلوبك شغاف القلوب دون تكلّف وكأن الحروف تنطق بوفاءٍ لأبٍ افقده الواقع المرير بريق نجمه الوضّاء .
هذا المقال ليس طرحًا عابرًا بل رسالة نبيلة تكتب بماء الشعور وصاحبه قلمٌ يعرف كيف يوقظ الضمير بأدبٍ رفيع.
حسّك الرائع لا يكتب فقط بل يُحيي الضمائر ويوقظ ما كاد أن يُنسى من معاني الوفاء.
هنيئًا للغة بك وهنيئًا للحرف حين يسكن بين يديك.