كتاب الرأي

بعد فكري عميق لنظرة مستقبلية فهل يمكن أن تندثر ثقافة الورق والكتابة…

✍🏻 روان طلاقي :

في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، أصبحت التكنولوجيا محورًا أساسيًا في حياتنا اليومية، من التعليم والعمل، إلى الترفيه والتواصل. لكن في زحمة هذا التقدم، يطرح سؤال جوهري نفسه بقوة: هل يمكن أن تندثر الكتب؟ وهل يمكن الاستغناء عن الورقة والقلم؟
من وجهة نظري، أجد أن هذا أمر بعيد كل البعد عن الواقعية. فالكتب ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومة، بل هي رمز للحضارة، ووعاء للمعرفة، وشاهد حي على تطور الإنسان عبر العصور. لقد بدأ الإنسان بتدوين معرفته على الجدران، ثم على الرق، ثم على الورق، وكان ذلك دائمًا تعبيرًا عن حاجته للحفظ، والتوثيق، والنقل من جيل إلى آخر.
في المقابل، التكنولوجيا ليست “معرفة” بحد ذاتها، بل أداة لنقل المعرفة. وقد أثبت التاريخ أن كل أداة يمكن أن تخضع لعوامل خارجة عن السيطرة: انقطاع الكهرباء، تعطل الخوادم، اختراق البيانات، أو حتى كوارث طبيعية قد تمحو آثارها الرقمية تمامًا. فلك أن تتخيل عالمًا يُبنى فقط على التكنولوجيا، ثم تنهار فيه هذه المنظومة فجأة؛ ماذا يبقى؟ وأين نلجأ للمعرفة والتوثيق إن لم يكن في كتب!!
وهنا تبرز أهمية إنشاء “ملفات أرشيفية ورقية” في كل بيئة عمل أو مؤسسة تعليمية. يجب على كل شركة، ومدرسة، ومؤسسة، أن تخصص أرشيفًا من الكتب والوثائق المطبوعة، يحفظ البيانات الأساسية والمعلومات المهمة بعيدًا عن التقنيات القابلة للزوال. ليس بديلًا عن التكنولوجيا، ولكن كخط دفاع ثانٍ حينما تخذلنا الأدوات الحديثة.
الورقة والقلم يملكان بُعدًا آخر يتجاوز التقنية. فهما لا يعتمدان على شحن أو شبكة أو تحديثات. هما فقط يحتاجان إلى عقل مفكر، وقلب نابض بالحياة. حتى في أحلك الظروف، يبقى الكتاب في متناول اليد، يحتفظ بصدقه وبصمته، لا يُمحى بضغطة زر، ولا يُخترق بجدار ناري.
قد يرى البعض أن الكتب تتراجع أمام الأجهزة الذكية، لكن الحقيقة أن هناك عودة واعية من كثير من القراء نحو القراءة الورقية، لما تمنحه من عمق وهدوء وتركيز. وربما تكون هذه العودة رد فعل طبيعي أمام عالم افتراضي سريع ومتقلب.
نعم، لا أحد ينكر فضل التكنولوجيا في تسهيل الوصول للمعلومة، ولكنها تظل أداة لا بد من موازنتها مع الوسائل التقليدية التي صمدت عبر قرون. قد تتغير الأشكال، لكن الحاجة إلى الكلمة المكتوبة، إلى الورق، إلى الحبر… ستبقى جزءًا أصيلًا من هوية الإنسان.

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى