كتاب الرأي

أماكن محظور علينا دخولها

الجزء الثالث .... " مكتبة الفاتيكان "

زاوية ” قصص سمير”

            ✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :

مازال حديثنا عن الأماكن محظور علينا دخولها مستمراً ، وهذه المرة ليست عن جزيرة نائية ولا عن خزنة مغلقة بل مكتبة ، ولكن ليست أي مكتبة أنها (مكتبة الفاتيكان).
هيا بنا نرى ماذا وراء جدرانها الموصدة.
تقع هذه المكتبة تحت الأرض في قلب مدينة الفاتيكان ، وتمتد رفوفها لمسافة مذهلة تصل إلى 85 كيلومتراً من الوثائق التي تغطي أكثر من ألف عام من تاريخ البشرية.
في عام 2019 ، قام البابا فرنسيس بتغيير اسمها الرسمي من (الأرشيف السري) إلى (الأرشيف الرسولي) ، في محاولة لرفع صبغة الغموض عنها ، لكن التغيير لم يفلح تماماً في إخماد فضول العالم.
​السر لا يكمن دائماً فيما هو مخفي ، بل في قواعد الوصول الصارمة لهذه المكتبة ، لا يمكنك ببساطة حجز تذكرة ودخول الأرشيف كأنك في متحف ؛ فالوصول إلى داخل المكتبة يقتصر على الأكاديميين والباحثين المتخصصين الذين تتوفر فيهم شروط معينة ، وهذا هو الحظر الذي يشعر به الشخص العادي.
​بعيداً عن الأساطير السينمائية (مثل روايات دان براون) ، هناك أسباب مؤسسية وتقنية تمنع الجمهور العام من الدخول لحماية الخصوصية السياسية والدبلوماسية ، حيث يحتوي الأرشيف على مراسلات حساسة بين الفاتيكان وملوك ورؤساء دول عبر التاريخ. الكشف عن بعض هذه الوثائق قبل مرور زمن كاف قد يسبب أزمات دبلوماسية أو يحرج عائلات لا تزال قائمة ، لذلك هناك آلية متبعة لقراءة الوثائق والمراسلات التي سنوضحها فيما بعد.
تضم المكتبة وثائق مكتوبة على أوراق البردي والجلود التي تعود لقرون مضت ، دخول آلاف السياح يومياً يعني تذبذباً في درجات الحرارة والرطوبة ، مما قد يؤدي إلى تلف هذه الكنوز التاريخية التي لا تقدر بثمن.
الفاتيكان يتعامل مع الأرشيف كمكتبة بحثية وليس كمزار سياحي ، لذلك يسمح فقط لنحو 1200 باحث سنوياً بالدخول إليها ، ويجب عليهم تقديم طلبات محددة حول موضوع بحثهم ، ولا يسمح لهم بالتجول بحرية بين الرفوف بل يطلبون وثائق بعينها.
كان يشاع سابقاً إن المكتبة والغموض الذي يحيط بها بإنها تحتوي على أسرار تتعلق بالكائنات الفضائية، ولكن هذا محض هراء ، ولكن تحتوي رفوفها على حقائق تاريخية مذهلة منها ​رسالة ماري ملكة اسكتلندا ، التي كتبتها قبل إعدامها ، تطلب فيها من البابا التدخل لإنقاذ حياتها.
​وكذالك مرسوم طرد مارتن لوثر وهو راهب ألماني من القرن السادس عشر ، (الذي رفض صكوك الغفران من الكنيسة من أجل التوبة والغفران بل قال بإن الغفران يأتي بلإيمان وحده) لذلك اتهموه بالهرطقة ، الوثيقة التي أصدرها مارتن لوثر هيه التي غيرت وجه المسيحية في أوروبا وأدت إلى الإصلاح البروتستانتي وظهورهم كقوة كنائسية.
ومن الوثائق التي بها أيضاً هو ​طلب إلغاء زواج الملك هنري الثامن ، ورفض البابا هذا الطلاق بموجب هذا الرفض أدى إلى انفصال إنجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية.
​وبها أيضاً سجلات محاكمة (العالم غاليليو) الذي تجرأ وقال إن الأرض تدور حول الشمس ، وهذا ما جعل الكنيسة تيدنه وتتهمه بالهرطقة ويحكم عليه بالسجن لمدة الحياة ، ولكن بحكم كبر سنه تم وضعه تحت الإقامة الجبرية حتى توفي مريضاً بالحمى.
​بعد أن كشفت لك بعض من الوثائق والسجلات المخفية عن العالم ، سأوضح لك السياسة التي تتبعها الكنيسة للكشف عن هذه الوثائق وهيه سياسة الـ 75 عاماً ، حيث لا يتم الكشف عن وثائق في (فترة حكم بابا) إلا بعد مرور هذه المدة على انتهائها ولأسباب ذكرتها لك في مقدمة المقال.
مؤخراً ، فتح البابا فرنسيس أرشيفات البابا بيوس الثاني عشر (فترة الحرب العالمية الثانية) ، وهو ما كان مطلباً دولياً لسنوات.
لماذا كل هذه المدة؟ وهو الحفاظ على الأسرار.
​الخلاصة الحظر ليس سببه وجود مؤامرة كونية خلف الجدران ، بل هو مزيج من البيروقراطية العتيقة ، والرغبة في الحفاظ على أسرار الدولة ، وحماية الورق القديم من أنفاس الفضوليين ، بالنسبة للفاتيكان هي مجرد (خزانة ملفات) ضخمة وبالنسبة لنا ستظل الغرفة التي تحتوي على أجوبة لأسئلة لم نجرؤ على طرحها بعد.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى