كتاب الرأي

زمن الوحدة المصنوعة

   ✍️ أحمد محمد كريري – كاتب سعودي :

لم يعد المارّ في طرقاتنا يُلقي السلام أو ينتظر ردّه. لم يعد يلتفت إلى الوجوه العابرة أو يبادلها ابتسامة عابرة تخفف وطأة النهار. تحوّل الناس إلى أشباح صامتة، أوثق كلٌّ منهم سمعه بسمّاعة، وقيّد بصره بشاشة، فاغترب عن عالمٍ ينبض حوله، وآثر الإقامة في فضاءٍ رقميّ لا يسمع فيه إلا صدى إصبعه.

أيّ عزلةٍ هذه التي صنعناها بأيدينا ثم ألفناها؟
متى صار المرور دون تحية هو الأصل، والردّ عليها هو الاستثناء الذي نستغربه؟
لقد اعتدنا المشهد حتى بتنا نلتمس العذر للغادي إذا عبر كالطيف، لا يُحيّي ولا يُجيب.

وإن إفشاء السلام ليس مجرد عادة اجتماعية نتجمل بها، بل سنّة نبوية عظيمة، ومكرمة إنسانية تؤسس للألفة وتُذهب وحشة الصدور. والردّ عليه واجب لا يسقط، قال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86]. فالأصل أن نرد، والفضل أن نزيد.

أما واقعنا اليوم فيشهد مفارقة موجعة: نُلقي السلام فلا يرتدّ إلينا، لا لأن القلوب قست، بل لأن الآذان صُمّت بضجيج المقاطع، والعيون شُغلت ببريق الشاشات. انشغلنا بعوالم مصنوعة عن عالمٍ حقيقي كان النبي ﷺ يمشي فيه فيُسلّم على الصغير قبل الكبير، وعلى الجالس والمارّ، ويعلّمنا أن السلام مفتاح القلوب.

إنها أزمة تواصل صامتة. صرنا موصولين بالبعيد الغائب، ومفصولين عن القريب الحاضر. نملك ألف صديق على الهاتف، ونفتقد جاراً نتبادل معه كلمة في الشارع.
نجيد التفاعل مع شاشة، ونعجز عن ردّ تحية في طريق.

ليست القضية في التقنية ذاتها، فهي نعمة إن أحسنّا استخدامها. القضية فينا حين جعلناها حجاباً بيننا وبين الحياة. حين استبدلنا دفء اللقاء البشري بوميض الإشعارات.

فهل نستطيع أن نرفع رؤوسنا قليلاً؟
أن ننزع السمّاعة لدقيقة؟
أن نردّ السلام فنحيي سنّة ونحيي قلباً؟
فالحياة سلام وتقوم على السلام ..

ما أحوجنا أن نستعيد إنسانيتنا من بين ركام السرعة، وأن نتذكر أن أقصر جسر بين غريبين كلمة: السلام عليكم..

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى